الرئيسيةملفات ساخنة

رفض التواجد العسكري الغربي.. بين المصالح الحزبية والتقييم العسكري المهني

المدار / خاص/ فريق التحليل السياسي

ارتفعت حدة الدعوات من اطراف سياسية معدودة وهي تطالب باخراج القوات الدولية (أمريكية وغيرها من العراق) بواسطة حراك برلماني يستهدف استصدار قرار تشريعي ملزم بخروج كل جندي غربي من العراق مما يتوجب على الحكومة العراقية الالتزام بذلك ومطالبة تلك الدول بسحب جنودها من الساحة العراقية حتى لو لم تكن الحكومة العراقية مقتنعة او كانت التقييمات العسكرية والامنية المهنية ترفض هذه التشريع وتعده خطأ عسكري قاتل.

التزم رؤساء الحكومات الثلاثة (المالكي والعبادي وعبد المهدي) بقناعتهم بأهمية تواجد قوات للتحالف الدولي لمساعدة القوات العراقية لوجستيا وتدريبيا، حيث طلب المالكي مساعدة التحالف في دحر داعش، واقر العبادي هذه المساعدة ووسعها دوليا، ورئيس الوزراء الحالي عبد المهدي واضح بانه مؤمن بأهمية الحاجة لهذا التواجد ولهذا الدعم ولم يصدر منه اية اشارة تدل عكس ذلك، وهذا يؤكد قناعة حكومية عراقية متواصلة من الذوات اعلاه باعتبارهم قادة للقوات المسلحة كلا حسب دورته في الحاجة الى مثل هذه القوات وبعدد محدود وبقيادة عراقية وبدون قواعد عسكرية امريكية واضحة المعالم.

الموقف بين المزاج السياسي والتقييم العسكري

تقول مصادر سياسية خاصة، ان المطالبة باخراج القوات الدولية من العراق بدون اللجوء الى التقييم العسكري المهني والموضوعي هي مطالبات حزبية بحتة تبرمج لغايات ومصالح سياسية ترتبط بهذا الحدث او مايحصل بعده من فراغ عسكري يولد خلخلة في التوازن السياسي حيث تعتقد بعض الاطراف انها تصب في صالحهم من ناحية كونهم المستفيد الاول من هذا الفراغ.

وعليه فان الرؤية المنطقية تلزم بأن لايطالب البرلماني او السياسي بمثل هذا الموضوع الاختصاص بدون اللجوء الى مرحلة تقييم عسكري مهني لدور هذه القوات وحاجة البلد اليها، وبدون الاستماع لوجهة نظر القائد العام للقوات المسلحة وقيادات الجيش العراقي الوطنية المهنية المعروفة بهذا الخصوص، او عن طريق استدعائهم الى جلسة برلمانية مغلقة والاستماع الى تقييهم حول اهمية وجود هذه القوات من عدمه، ثم بعدها يمكن اتخاذ القرار البرلماني بناء على التقييم العسكري الواقعي وليس وفقا للاغراض والقناعات والمزاجات المتعارضة في التشكيلات البرلمانية العراقية.

نوع من التقييم العسكري المهني

في هذا الخصوص يقييم الفريق عبد الامير يار الله، نائب قائد العمليات المشتركة، في لقاء له مع وكالة ناس، الجمعة 25 كانون الثاني 2019، اهمية وجود القوات الدولية وحاجة المؤسسة العسكرية العراقية لها قائلا :

“قوات التحالف الدولي تلعب ادواراً هامة ومحورية وفي كل الاتجاهات، سواء كان الدعم الاقتصادي واللوجستي الذي بلغ قرابة 11 مليار دولار خلال سنوات الحرب على داعش، أو الاستشارات العملياتية والاستخباراتية والتقنية التي تقدم من قيادات التحالف لقيادة العمليات المشتركة العراقيّة، ولا بد أن ندرك أن الجانب الأميركي كانت أدواره تمثل اكثر من 80%، بالاضافة الى الاسناد الجوي والمدفعي، وملف التدريب حيث دربت قوات التحالف الدولي اكثر من 54 لواءً من القوات المسلحة العراقية خلال السنوات الماضية، وانا أوكد ان القرار عراقي حصرا والإسناد من التحالف الدولي، ولا توجد قواعد اميركية احادية في العراق، وإنما قواعد مشتركة، وهي تتواجد في قواعد ومعسكرات عين الأسد والحبانية والقيارة كقوات لتقديم الاسناد القتالي، وفِي معسكرات الفوسفات وبير المراسمة مرابض مدفعية، وفِي معسكرات التاجي وبسماية كقوات للتدريب والتأهيل والتطوير العسكري والتقني، وفِي قاعدة بلد لتقديم التدريب والتأهيل والصيانة والتشغيل لسلاح الجو العراقي، وفِي قاعدة k1 في كركوك وجودهم للإسناد الاستخباراتي والعمليات الخاصة المشتركة مع قوات مكافحة الاٍرهاب العراقية”..

واضاف، “ما احتاج الى تأكيده انه بالإمكان اتخاذ قرار بخفض عديد القوات الأجنبية المسلحة في العراق، ولكن ليس من مصلحة العراق تخفيض ادوار التحالف الدولي العسكرية واللوجستية في العراق خلال السنوات القادمة. فقد قدم التحالف كل الإمكانيات الممكنة، وسخّر جميع الأدوات لخدمة وتطوير الجيش، ومن نتائج هذا الدعم والتدريب، سواء من الاميركان أو الجهود الدولية الاخرى ما يتحقق على الأرض”.

بالاضافة الى ذلك فان رئيس الوزراء السابق، حيدرالعبادي، قد أكد في اكثر من لقاء اعلامي سابق بأنه اتفق مع الجانب الامريكي على تخفيض عدد القوات الامريكية حصرا في العراق بعد انجاز عمليات تحرير الموصل، وانه يمكن الاعتماد على هذا الاتفاق سياسيا وعسكريا في الوقت الحالي من قبل رئيس الحكومة الجديدة على المضي قدما في انجاز هذا التخفيض بالطريقة المناسبة بعد اعداد لجنة مهنية عسكرية لتحديد نوعية وأماكن القوات التي يمكن ان تبقى او يمكن ان تخفض.

ووفقا لقواعد التحليل السياسي يقفز للذهن السؤال البديهي التالي: “امام هذه الحقائق لماذا يصر البعض على تشريع قانون ملزم وبدون الرجوع للتقييم العسكري لاخراج قوات التحالف الدولي من العراق”؟.

الفصائل المسلحة والجيش العراقي

وقالت اطراف سياسية محايدة لـ “المدار”، ان احد أهم اسباب دعوات اخراج قوات التحالف الدولي من العراق هو معادلة القوة بين المؤسسة العسكرية والفصائل المسلحة على مختلف اسمائها وقادتها، فمساعدات التحالف الدولي انما تقوم بتطوير المؤسسة العسكرية العراقية وتدريبها وتسليحها ليكون لها الكفة العليا في المسارح العسكرية ،وهذا ما يساعد على بناء الدولة وتثبيت اركانها باعتبار ان الجيش هو الحامي لها وللشعب، وهذا مايتنافي مع تخوفات اكيده لدى بعض الاطراف من تغول المؤسسة العسكرية على حسابها، وبالتالي فان اخراج القوات وما ينتج عنه من رتابة في نمو المؤسسة العسكرية والجيش العراقي سيصبح في صالح الاطراف التي تطالب بذلك لكي تحافظ على منحنى قوة له خلال الفترات اللاحقة لبناء قدراتها الذاتية.

المنافسة السياسية والطمع في السلطة

خصت بعض المصادر الهامة “المدار” قائلة: إن المنافسة السياسية والطمع في السلطة يدخل كعامل اساس في تحريك هذا الملف الحساس الذي يمكن ان تكون له ردات فعل غير محسوبة على الواقع العراقي في ظل وجود إدارة امريكية متحفزة ومختلفة تماما عن ادارة اوباما الذي سحب القوات الامريكية من العراق عام 2011، بعد ان كان شعار حملته الانتخابية العريض والاساسي هو سحب القوات من العراق، وكان ملزما بسحبها للايفاء بعهده ووعده لناخبية، وكذلك استجابة لمشروع ادارته السياسية تجاه العراق والمنطقة آنذاك، فالترابط بين هذا الملف وعلاقتة بالتدافع الايراني ـ الامريكي المحتدم اخيرا والذي يمكن ان تكون الساحة العراقية ارضا خصبه له لتبادل الضربات بين الطرفين، والرابط بين هذه الامور والاطراف السياسية العراقية هي في سعيها للسلطة ومقدار نفوذها السياسي والعسكري في الدولة العراقية فيما اذا افرغت الساحة من هذا الطرف او ذاك، او فيما يتعهد ان يقدمه احد الخصمين (واشنطن وطهران) لهذا الطرف السياسي او ذاك اذا ما استجاب لرؤيته في فرض الانسحاب او رفضه والمطالبة بزيادته.

في المقابل تؤكد كل التقريرات السياسية ان المعادلة العراقية قائمة على اساس ميزان التوازن بين (طهران وواشنطن) في العراق، وان هذا التوازن الصعب يولد حالة استثنائية لبقاء كل الاطراف في الملعب والتنافس فيما بينها على مشروع السلطة وادارة الدولة، ولكن خلو الساحة من احد هذه الاطراف سيولد خلخلة سياسية وعسكرية تريد ان بعض الاطراف ان تستثمرها لصالحها في مشروع السعي نحو السلطة والحصول على المزيد من الدعم بشتى انواعه وفرض نفسها بمنطق القوة السياسية او التشريعية او حتى سلطة السلاح من اجل تضعف بقية الاطراف لتكون الساحة ممهدة امامها تماما وبدون منافسة قوية من آخرين.

الرابح والخاسر

واخيرا فان موضوع بقاء قوات التحالف الدولي في العراق حساس ويتجنب الكثير من التعرض له مباشرة لانه مرتبط بمشاعر عراقية عاطفية يمكن ان تتهم كل من يطرح نظرة متوازنه فيه بالعمالة او الركون للاجنبي او تأييد الاحتلال الغربي للعراق.

والحال ان الفاصل واضح جدا بين محاولة سياسية استثمارية للمطالبة باخراج قوات التحالف الدولي من العراق، وبين المطالبة ببقاء هذه القوات وتأصيل وجودها، من خلال الحل الوطني الوسط وهو الركون الى الاختصاص والاستماع الى تقييم قادة المؤسسة العسكرية العراقية، وهم يطرحون الحلول الوسطى في اهمية العمل مع التحالف الدولي ولكن وفق منهج دقيق لتخفيض عدد هذه القوات واختصار دورها على الدعم اللوجستي والتدريبي والاستخباري في ظل قيادة عسكرية عراقية لكل الادوار.

فهل ستنتصر ارادة الاختصاص والتقييم المهني العسكري، ام ستندحر أمام المشاريع السياسية ذات الابعاد الخاصة؟.

القادم كفيل بالاجابة….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق