الرئيسيةملفات ساخنة

رؤية في (التخادم) الصدري ـ الايراني في تكليف وتشكيل الحكومة العراقية

المدار / بغداد / فريق التحليل السياسي

لم تكن هذه الحكومة ترى النور لولا وجود اصول للتفاهم  الصدري ـ الايراني لانتاجها، وهنا مقدما لابد من توصيف هذا الاشتراك بين الاثنين، فهل هو (تعاون) أم (تحالف) أم (تخادم) ام شيء آخر يختلف يمكن استنتاجه من ثنايا ما يتسرب من اخبار او وفقا لقواعد تحليلها سياسيا.

ابتعد السيد الصدر عن ايران قبل سنوات طويلة وبدأ يظهر هذا الابتعاد اعلاميا ابتداء من عام 2012، ثم تزايدت علامات الابتعاد تدريجيا ما بعد 2014 مع دخول داعش وبزوغ نجم الحشد الشعبي والفصائل المسلحة المسيطرة عليه.

 عندها سائد فهم عام بان هذه الحشد المسلح سيكون هو الاساس ( الشعبي والسياسي ) وأنه الورقة الرابحة التي سترتكز عليها مقومات الرؤية الايرانية القادمة في العراق وهذا ما يعني ايجاد بديل جماهيري وسياسي وحكومي ومسلح قد يلغي القواعد الجماهيرية الصدرية وقد يشكل خطرا كبيرا على الفصيل الصدري المسلح.

استخدم السيد الصدر وتياره اوراق مناورة ذكية انطلاقا من تلك الفترة باظهار قوتهم الجماهيرية من خلال الاعتصامات والاقتحامات الجماهيرية وابتعد التيار الصدري بطريقة ذكية عن المشاركة في حرب سوريا وصلت لحد رفع علم ما يعرف بالثورة السورية عام 2013، وادان مشاركة فصائل عراقية فيها ورفع بعض انصاره شعارات (ايران بره بره) واقترب من رؤية وسياسة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وحسن من علاقته كثيرا بالمحور العربي عموما والسعودية والامارات والبحرين، وسوق نظرية انه الضد النوعي لبعض فصائل الحشد الشعبي التي ترفع متبنيات ايران السياسية والاعلامية والدعائية بدون مراعاة لواقعها  العراقي.

ومع استجابة ايران للنصائح المضللة من بعض حلفائها وتشكيلها ادوات ضغط قوية على العبادي استطاع السيد الصدر  ان يقترب من الحكومة ويستثمر توازنها الداخلي لصالحه بطريقة ذكية ايضا.

الا ان الخلاف (الصدري ـ الايراني) وبالرغم من شدة بعض مفاصله الاعلامية وتشنجاته في بعض المراحل لكنه لم يتحول الى عداوة او عقدة مستعصية حيث بقيت حسب التسريبات وسائط للتواصل بين السيد الصدر وايران في اصعب المراحل كان بعضها (عراقيا نجفيا او لبنانيا)، وبالتالي لم يسعى كلا الطرفين من قطع شعرة معاوية مع الاخر.

كانت نتائج الانتخابات الاخيرة حدثا هاما في مسيرة تقييم كلا الطرفين لبعضهم، فوز سائرون الصدرية وتهافت المسؤولين الدوليين والعرب والعراقيين الى الحنانة دفع الصدر لتخفيف لهجته تجاه ايران كثيرا بالرغم من انه توجه مبكرا نحو مشروع الكتلة الاكبر بالتحالف مع العبادي والحكيم وغيرهم، الا ان مشاركة ايران في اجهاض مشروع الكتلة الاكبر وتأثيرها في عدم اكتمال نصاب مؤتمر فندق بابل كان مفصل هام آخر استدعى اعادة حساب جديده لواقع كلا منهم، وكانت خاتمة المواقف واصعبها هي احداث البصرة التي لم يكشف عن قصتها الحقيقية لحد الآن ولم يجرئ احد في الاقتراب من قراءة فصولها، والتي قادت بصورة واضحة الى اول علامات تقارب بين التيار الصدري والرؤية الايرانية حول واقع تشكيل الحكومة العراقية وهذا ما عبرت عنه رسالة الفصائل آنذاك والتي خيرت الصدر بين المواجهة أو التعاون في تشكيل حكومة بعيده عن حزب الدعوه.

 استطاع الصدر خلال المرحلتين السابقتين مرحلة ما قبل الانتخابات ومرحلة مابعدها ان يثبت لايران بانه قوي جماهيرا وسياسيا وحكوميا وتسليحا وانه رقم صعب لايمكن تجاوزه بسهولة وانه قادر على المضي في عملية تشكيل الحكومة بطريقة بعيده عنها، لكنه في هذا المنعطف وفي لحظة الحصار الامريكي على ايران وصعوبة خيارتها في العراق مد يد التفاهم اليها.

 فيما تعاملت ايران بالمثل فسياستها عموما لم تقترب من خطوطه الحمر الاساسية وبعد النتائج المتواضعة لقائمة الفتح والخلافات والتقاطعات العاصفة التي بدأت بتفكيكها فعلا، وحداثة الخبرة السياسية للكثير من اركانها وبسبب ابتعاد اطراف شيعية عن دعمها والضغط الامريكي عليها كل هذا كان يوجب عليها تفعل قناة (التخادم) مع الصدر وكتلته والمساهمة في وضع اصول الحكومة الجديدة.

رفض الصدر وهاجم باقسى العبارات سابقا التوليفة الاولى التي قادت الى تحالف الحشد الشعبي مع العبادي للنزول في قائمة انتخابية واحدة واستطاع بجدارة ان يبعد العبادي عن قائمة الفتح، لكنه استثمر نفس الامر عندما سنحت الفرصه ليشكل الحكومة.

تقول بعض المصادر ان هناك صدمة  لدى تحالف البناء وقادته حيث يدور في ذهنهم سؤال محير جدا مفاده ( لا فارق كبير بين عادل عبد المهدي والعبادي ) من حيث الرؤية السياسية العامة وبعد ان استهلك تحالف البناء وبالخصوص الفصائل ووسائلها الاعلامية نفسها بالحديث عن نجاحها في احباط مشروع بريت ماكغورك بتوزير العبادي ولاية ثانية كمشروع امريكي، اجبرت على القبول بشخص اخر كانت الى الامس تصفه الادبيات الايرانية بانه امريكي ايضا، فمالذي احبطوه اذن، ولماذا اثاروا كل تلك الضجة ضد العبادي والنفوذ الامريكي وماشاكل ذلك، الا انهم عموما لا يستطيعون ان يرفعوا اصواتهم بمثل هذه الاحتجاجات وانما يتركوها لمجالسهم الخاصة.

استطاع السيد الصدر بجدارة ان يعرف التوقيت المناسب الذي يناكف فيه ايران، واستطاع بجدارة ايضا ان يختار الوقت المناسب لكي  يتخادم سياسيا فيه مع ايران حول تشكيل الحكومة، عملية التخادم الصدري ـ الايراني هي علامة بارزة في علاقة الطرفين وستؤسس لمستقبل جديد من العلاقة بينهم يختلف عن الماضي، فالصدر قفز من هذه المعادلة من كونه طرفا شيعيا عراقيا محليا الى طرف اساسي يماثل حزب الله وحماس والحوثيين في طريقة التعاطي الايراني معه حول واقع سياسات الدول وتشكيل الحكومات واسقاطها.

لكن تبقى سياسية ( التخادم ) هشه لانها حالة تكتيكية مرحلية يتوافق فيها طرفان على مسألة معينة يمكن ان تمدد على مواضيع اخرى لاحقا لكنها ستتقاطع حتما في زوايا حادة اخرى، مما يعني ان علاقة الطرفين سيشوبها القلق والتصعيد والتفاهم بين فترة واخرى.

الكاسب الأكبر من وراء هذه المعادلة هو السيد الصدر الذي لم يقبل في ان يكون حليفا تابعا ولا عدوا محاربا  فالتخادم يعطية دوره المفصلي ويجعل منه ورقة اساسية تتيح له ابداء رأيه الخاص في كل مسالة بعيدا عن التماهي مع ايران مثلما تفعل اغلب الاحزاب الاخرى ترهيبا او ترغيبا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق