الرئيسية

حزب الدعوة خارج أسوار السلطة… العودة شبه المستحيلة

المدار/فريق التحليل السياسي

بعد ثلاث دورات رئاسية كاملة ودورة اولى مختصرة خرج المنصب التنفيذي الاول في العراق من سيطرة حزب الدعوة الإسلامية الى طرف سياسي شيعي آخر، واذا ما قلنا بان المجلس الاعلى الإسلامي العراقي هو الطرف الآخر فواقعه الحالي هو مشابه لواقع الدعوة في السلطة بكونه تجمع لمجموعة نخب سياسية اكثر من كونه حركة جماهيرية كحال تياري الصدر والحكيم وامتداداتهم التنظيمية المعقدة. 

ولاشك بان التقييم الاولى لفترة حكم حزب الدعوة التي امتدت بين عامي 2005 ـ 2018 بحاجة الى اطروحات دكتوراه بالعشرات او حتى عشرات الكتب التي يمكن ان تختصر واقع العراق والحزب في اعقد واخطر مرحلة سياسية عاشها العراق الحديث، وهي بحاجة الى دراسات اختصاصية وليس مجرد تقييمات عابرة كما نشاهد حاليا من حصر الامور بين الابيض او والاسود، بين تقييم محب للدعوة او مبغض لها، ينحصر بين نجاح باهر او فشل قاهر، والحال ان بين هذا وذاك منطقة رمادية طويلة تؤكد على ان لقيادة الحزب للدولة العراقية خلال تلك السنوات ايجابيات وسلبيات لايمكن ان تختزل بجرة قلم، أو بتقييم عابر يخضع لقناعات مستعجلة.

ويبقى السؤال الأهم، هل حزب الدعوة قادر على اعادة صياغة مشروعه والعودة الى السلطة مرة اخرى خلال فترة قليلة، هذا ما يمكن تسليط الضوء عليه وفقا للواقع الحالي الذي يعيشه الحزب والذي تتسرب منه وقائع قليلة. 

قيادة معطلة للتنظيم الحزبي

يمكن وصف قيادة الدعوة الاخيرة بأنها قيادة معطلة للتنظيم الحزبي، وفي الوقت الذي نجحت فيه احزاب عراقية وبموارد قليلة من احياء واقع تنظيماتها الحزبية ومنافسة حزب الدعوة صاحب الموقع التنفيذي الاول حيث لم تستطع قيادة الحزب ـ ولاسباب شبه مجهولة ـ من التوجه للجماهير العراقية تنظيميا واحياء فكرة الحزب الراسخة في اذهان قطعات شعبية واسعة، فحزب الدعوة الاسلامية ـ شاء محب او رفض كاره ـ هو خلاصة التاريخ الشيعي السياسي بين 1957 ـ 2018، وسيجبر كل قارئ او باحث او كاتب لتاريخ الشيعة او تاريخ العراق خلال هذه العقود الستة، ان يتناول حزب الدعوة وتاثيره في اغلب ابجديات الدين والسياسة في العراق والمنطقة، يضاف الى ذلك جلوسه على كرسي الرئاسة لـ 13 عشر سنة كاملة وما يوفره هذه الموقع من موارد قوة ومال ونفوذ وتأثير كان يمكن استثمارها في رفد تشكيل اقوى تنظيم حزبي قادر على تغيير خارطة الارقام في البرلمان وتشكيل الحكومات، الا ان قيادة الحزب لم تلجأ لهذا الخيار لا هي ولم تكلف غيرها بهذه المسألة البالغة الاهمية. 

بل على العكس كان الاتجاه بالطريق المخالف عندما اعتمد الامين العام للحزب في دورته الاولى الى تشكيل تحالف دولة القانون كأطار اوسع من الحزب ثم منظمة البشائر الشبابية كتنظيم شبابي يرتبط به شخصيا كزعيم سياسي وليس بالحزب، وهكذا مع تجربة تحالف النصر بقيادة العبادي الاخيرة، فيما لم يستطع بقية اركان القيادة من ان يتوجهوا لذلك، لدرجة ان عدد الدعاة الاصليين في البرلمان الحالي لم يتجاوز الـ 9 فقط بالرغم من وصول كتلتي القانون والنصر باعداد كبيرة لكنها ليست حزبية.

الواقع ان حزب الدعوة الاسلامية حافظ على كونه حزب نخبه قليلة استطاعت ان تجد لها تاثيرا كبيرا من خلال الوجود في السلطة ويتوجب عليها الان ان تجد لها تأثيرا خارج اطار السلطة وبين الجماهير، فهل هي قادرة على ذلك فعلا؟، ولماذا لم تحقق ذلك عندما كانت الموارد متيسرة وفي يديها وتريد تحقيق ذلك بعد ان جفت تلك الموارد؟.

وهل يمكن منطقيا لقائدي اجنحة الحزب ان يكون لكل منهما تنظيم خاص به مختلف خارج الحزب، فيما يجمعهما التعاون لايجاد تنظيم حزبي ثالث يربطهم معا؟!!!!

من سيرث الدعوة بعد الرئاسة

هذا هو السؤال الجوهري الان، من هو الشخص المؤهل الذي سيرث حزب الدعوه ويصبح الاقدر على توجيه مساراته خلال المرحلة المقبلة؟.

افرز الوضع الاخير الكثير من التصدع بين اجنحة الحزب وقياداته ولم تنجح لاسباب ربما سيأتي وقتها لاحقا عملية لملمة اوراقه، فالمتابع لواقع الحزب يدرك على ان غالبية الحزب لحد يوم اعلان نتائج الانتخابات كانت لصالح العبادي، لكنها تغيرت مابعد اعلان النتائج لصالح المالكي، ولم ينجح طرفي الحزب في الحكومة من استمالة الاخر، فيما لم ينجح الطرف الاوسط في وضع ستراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات او اختيار الطرف المؤهل للحكومة للحفاظ على المنصب أولا ثم ايجاد الحلول بعدها، وبقيت الامور داخل القيادة للاسف تدار على طريقة تنافسية وطموحة فيما كان هناك تأثير كبير للعامل الايراني الديني والسياسي، حيث ساهم هذا العامل في اضعاف عموم قيادة الحزب ومنعها من اتخاذ مواقف صحيحة او حاسمة في مراحل مختلفة. 

وبناء على المقدمة أعلاه سيحتفظ كل قيادي في حزب الدعوة الاسلامية بقوتة الشخصية وموقعه الحزبي وستبقى هذه القيادة الـ 11 مؤثرة في مسار الحزب، لكن ومابعد خروج الرئاسة من الحزب، فكل الاحتمالات تقود الى بروز شخصية المالكي مرة اخرى كأمين عام وكطرف مؤثر جدا في مسار الحزب لاحقا. 

واحتمال من ان يكون المالكي هو الوريث الاكبر لحزب الدعوه من عدة نقاط قوة يتميز بها على بقية رفاقه في الحزب، فعلى العموم يعتبر المالكي هو الممول الوحيد لكل فروع ومكاتب الحزب في العراق، وهو من يحمل صفة الامين العام للحزب، وهو الشخصية السياسية الابرز التي حكمت العراق ولديها مشروعان تنظيميان آخران هما دولة القانون والبشائر الشبابية، وهو الشخص صاحب المنصب الحكومي الاكبر باسم الحزب اذا ما حصل على منصب نائب رئيس الجمهورية مرة ثانية، والمالكي هو صاحب التأثير الاكبر على اغلب كوادر الحزب في الدرجات الثانية والثالثة من الذين عينوا او تسلموا مناصب بتوقيع منه خلال فترة حكمه، وهو ايضا الاكثر قربا من الدوائر السياسية الخارجية والاكثر تواصلا منهم مع كل الاطراف العراقية بواقع قيادتة لدولة القانون.

اما فيما يتعلق بالعبادي وتحالف النصر، فالكل بانتظار ان يحسم العبادي موقفه في مشاركته في الحكومة القادمة وصورتها او العكس من ذلك، وكيف سيرسم مساره السياسي في ظل توقعات بأنه سيبقى رقما سياسيا صعبا، لكن قيادة حزبه قد تخلت عنه وتقاطعت معه ان لم يساهم بعضهم في ابعاده عن الرئاسة فعلا.

لكن هذا لايعني ان بقية اعضاء قيادة الدعوة مجرد ارقام وانما ستبقى طبيعة القيادة في حزب الدعوة باشخاصها حالة خاصة بهم فيها التسهيل والتعقيد ما ليس له مثيل في احزاب وتشكيلات اخرى.

حصار الدعوة القادم

مما سيؤثر اكثر على مسيرة حزب الدعوة خلال السنوات القادمة هو حرص اغلب الاطراف الاخرى على فرض سياسة توازن جديده في المناصب بينها وبينه والادلة كثيرة على توجهات اكيده لسحب المزيد من المناصب العامة والخاصة في شتى مفاصل الدولة من يد الحزب وتحويلها الى اطراف شيعية اخرى بناء على مبدأ التوازن الذي تعتقد هذه الاطراف انه كان مختلا بقوة الرئاسة الدعوتية.

هذا مع عدم وضوح فعلي في اندماج او تقارب جناحي الحزب (القانون والنصر) والذي يظهر انه من الصعوبة لدرجة المستحيل مستقبلا، واذا ما تحقق فلن يكون ذو تأثير كبير باعتبار ان وجهات النظر بين اطرافه ليست مختلفة وانما متقاطعة في رؤيتها لراهن العراق ومستقبله.

والاخطر هو الانطباع السياسي السيء لدى الرأي العام العراقي عن تجربة الحزب الرئاسية والتي ساهم في خلقها وسائل اعلام منافسة او مختلفة على مدى 13 سنة كاملة من التشهير بالحزب وتشويه سمعته بما هو حقيقي في جزء منه وغير حقيقي في غالبيته مما لايساعد الحزب على التعافي السريع او العودة في القريب للعب دور ريادي في العملية السياسية.

واضح الحال ان هناك حتى حرص ايراني على التخلي او ابعاد الكثير من التشكيلات او الاسماء الشيعية القديمة والتي اخذت حصتها في المعارضة والسلطة، وان هناك توجهات نحو فصائل السلاح الشبابية تنظيميا وحكوميا ليلحوا محلهم، وان الاطراف الثلاثة الشابية والجماهيرية الفاعلة في المستقبل هي التيار الصدري وجماهيرته، وتيار الحكمة وحراكه وسط الشباب، وتنظيمات الفصائل المسلحة الشبابية، والبقية تأتي بعدهم كلا حسب حجمه ودوره ومواردة وداعمية في الداخل والخارج، وحزب الدعوة حسب الظاهر ليس احد الاطراف التي ستنافس مستقبلا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق