الرئيسية

إيران وتغيير معادلة الحكم في العراق… العودة الى مربع المجلس الأعلى

فريق المدار للتحليل السياسي

لم تكن عملية تغيير رئيس الوزراء حيدر العبادي، كالمرات السابقة حيث يذهب رئيس وزراء ويأتي آخر مكلف من نفس الحزب، فقد كانت هذه المرة مشروع تغيير لمعادلة حكم اكثر منها وسيلة تَغير بالاشخاص، لذلك كان يتوجب على ايران التي تمسك بملف تشكيل الحكومة ان تختار معادلة جديدة لكي لا تفاجئ مثلما حصل عام 2014 وتفاجأت فعليا برئيس وزراء غير معروف لديها ولم تتعامل معه من قبل ولا تمتلك القدرة على استقراء خطواته القادمة بالرغم من انها كانت متأكدة من انه وليد لمؤسسة حزبية لايمكن ان تتقاطع معها كليا.

ولاشك ايضا ان إبعاد الولاية الثانية عن العبادي كان من صنع المؤسسة الايرانية سواء كان ذلك بقناعتها ومواقف قادتها المعنين بالملف العراقي او كان بالضغط من اطراف عراقية كثيرة كانت ولازالت تطالب ايران بالكف عن تمديد عمر حزب الدعوة في السلطة ونقلها الى مربع سياسي شيعي آخر.

لكن عملية تغيير المعادلة لم تكن بالسهولة المتوقعة بالخصوص بعدما ابتعد العبادي كثيرا في مشروع ادارته للدولة عن التاثير الحزبي والايراني، وحاول تثبيت اصل استقلالية ملحوظة في القيادة والادارة وبالتالي كانت عملية التغيير بحاجة الى جهد استثنائي كبير والى صفقة متكاملة يشترك بها حتى قيادات في حزب الدعوة نفسه تساعد على مشروع نقل السلطة الى مربع آخر ، لكن من هو المربع الذي اختارته ايران كحل وسط بينها وبين أمريكا وبواسطة توسط بريطاني ملحوظ.

إن لم يكن العبادي فعلى منهج العبادي
ووفقا لمعطيات التحليل السياسي واستقراء القادم بأن المرحلة القادمة هي امتداد للسنوات الاربع الماضية التى حولت ايران من دولة مؤثرة في القرار العراقي الى دولة تمتلك وجودا على ارض العراق من خلال الفصائل المسلحة التي اعاد دخول داعش للعراق الدم الى عروقها وحولها الى منصة قوة اساسية فيما اضفت الانتخابات الاخيرة الصفة الشرعية والرسمية عليها واوصلتها الى البرلمان ثم الى الحكومة قريبا، ومع تصاعد علامات الخلاف الامريكي ـ الايراني، ومع تزايد التقاطع بين دول المنطقة ومع حصاد (السرايا الصدرية والفصائل الفتحية) على نتائج السبق الانتخابي وتحول الفصائل المسلحة الى رقم سياسي يبحث عن دور حكومي ومع واقع انشطار الكتل جميعا الى مراكز استقطاب قوى متوازنه في القوة والتأثير، تكون المعادلة بحاجة الى شخصية خاصة وصفها البعض سابقا (ان لم تكن العبادي فرئيس الوزراء القادم على منهجه) وتفسير هذا بان المرحلة القادمة بحاجة الى تكرار نفس طبيعة سياسة التوازن التي اعتمدها العبادي والتي مررت السنوات الماضية بصورة ايجابية وان القادم بحاجة الى نموذج توازن شبيه ولا تتوفر هذه المواصفات اطلاقا بغير العبادي وعبدالمهدي.

ايران وعبد المهدي
لم يكن السيد عادل عبد المهدي بعيدا عن ايران فقد كان مرشحا منافسا في كل تجارب التكليف السابقة الا ان الخيار الايراني الذي كان متوقعا ان يصب في صالح مؤسسة المجلس الاعلى الاسلامي العراقي مابعد 2003، انقلب بصورة مفاجئة ليصب في صالح حزب الدعوة وعملت المؤسسات الايرانية ذات الصلة بالملف العراقي على عرقلة وصول عبد المهدي خلال الدورات الاربع الماضية وكانت تضع البيض في سلة آخرين.

بل ذهبت القناعة الايرانية الى ابعد من ذلك في العمل على تحجيم المجلس الاعلى ودعم مشاريع تفكيكة لصالح مشاريع الحكم السابقة، الا ان المفاجئة كانت في وصول العبادي الذي يبدو انه اجبر اخيرا صاحب القرار الايراني على اعادة قراءة المشهد بالكامل والعودة الى مربع مؤسسة المجلس الاعلى ولو مؤقتا خلال السنوات الاربع القادمة ….

هنا يقفز التساؤل المنطقي التالي، هل ان رئاسة السيد عادل عبد المهدي هي عودة طبيعة لصياغة مشروع مؤسسة المجلس الاعلى المفكك ليس عن طريق الالحتام مجددا ولكن عن طريق التخادم؟.

ام هو حل ايراني مؤقت للدورة الحالية فقط، والهدف الاساس منه هو ابعاد العبادي اولا ثم العمل على تطوير مشروع ايران ببناء شخصيات شبابية من الفصائل المسلحة لتكون قادرة على تولي دفة القيادة لاحقا؟.

مؤسسة المجلس الاعلى المفككة حاليا يمكن لها ان تتخادم فعليا بين اجنحتها، فالمجلس الاصلي بقيادة همام حمودي ورجالاته هو عتلة عراقية ايرانية قادرة على التواصل نيابة عن عبد المهدي مع بعض المؤسسات الايرانية.

وبدر بقيادة هادي العامري المجلسي السابق والمحرك الذي تسبب في تفكيك المجلس الاعلى هو ذراع مسلح وسطي قادر على التاثير في بعض المؤسسات الايرانية ولديه مقبولية محدودة دولية واقليمية وقادر على خدمة مشروع المجلس الاعلى بموافقة ايرانية.

بينما تيار الحكمة بقيادة السيد عمار الحكيم وهو رأس المجلس الاعلى السابق والمنتصر الاول في طبيعة نتائج الانتخابات وفي طبيعة تشكيل الحكومة اخيرا قادر على ان يخدم السيد عبد المهدي في الساحات العربية والدولية بصورة كبيرة.

والتيار نجح في مبادرة ابعاد حزب الدعوة ولو كانت على حساب حليفه الذي وثق به كثيرا وهو العبادي، لكنه نقل الكره الى ملعب المجلس الاعلى بدراية كاملة منه وتنازل لصاحب القرار الايراني بانتظار ان يتنازل له الكل خلال الدوره القادمة او بعدها حيث يكون بانتظار دوره في رئاسة الوزراء.

اما مؤسسة رئاسة الوزراء بقيادة عبد المهدي كشخصية فهو قادر على ربط خيوط اطراف عراقية داخلية كثيرة لتكون خلفه داعمه فتأثيره في النجف وفي كردستان كبير ولايمكن تخيل ان يكون له خصوم الا في حزب الدعوة او في بعض الفصائل وقادتها الباحثين عن زوايا طموح كبير لهم مستقبلا.

لذلك فأن ايران وبدعمها للسيد عادل عبد المهدي انما عادت ولو مكرهة الى مشروعها السابق الذي الغت الحاجة اليه بنفسها سابقا لتعيده للحياة ، لكن ماذا لو لم يكن هناك عادل عبد المهدي؟. 

وهذا يعطي دلائل ومؤشرات على ان ايران لم تكن مستعدة بما يكفي وانه لايوجد امامها خيارات كثيرة ولايوجد في جعبتها الكثير من الاسماء اللامعة والقادرة على ضبط ميزان التوازن في ادارة العراق وانها ستكون رهينة وبانتظار مواقف رئيس الوزراء عبد المهدي لكي تتعامل معها كل على حده بالدعم او بتحريض حلفائها عليه كما فعلت مع العبادي بالرغم من انها ابرقت من خلال اقصاء العبادي رسالة واضحة للجميع بانها لن تتساهل مع من يشعرها بالاحراج او يريد ان يخطط بعيدا عن قرأتها وتوقعاتها المستقبلية للمنطقة عموما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق