الرئيسية

الدولار يُطيح بإيران ، فماذا عن جيرانها ؟

المدار/ خاص / علاء الزيدي

تتحدث وسائل الإعلام المختلفة ، الصديقة و المعادية لإيران ، عن انهيار متسارع لقيمة العملة الإيرانية ( الريال و تبعاً له عملته الإفتراضية التومان ) في أسواق الصرف المحلية ، بحيث وصل سعر الدولار الأميركي مساء أمس إلى أكثر من ستة آلاف تومان ، و انخفض عرض العملات الأجنبية في البلاد إلى مستوىً لم يسبق له مثيل ، حتى في ذروة تصاعد أحداث الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩.

و أرجع المحللون الإقتصاديون سبب هذا الإنهيار إلى عوامل عديدة ، أهمها خشية المواطنين الإيرانيين من إلغاء إدارة ترامب الإتفاق النووي مع إيران بشكل منفرد ، عند مراجعة ترامب الإتفاق مطلع شهر أيار ( مايو ) القادم ، و مايستتبع ذلك من عودة للحصار و عدم استقرارٍ اقتصادي و سياسي و ربما حصول صدام عسكري ، لذلك سارع المواطنون إلى سحب مدّخراتهم و تبديلها بالعملة الصعبة ( الدولار الأميركي تحديداً ) الأمر الذي هبط بودائع الدولار لدى البنك المركزي الإيراني إلى مستوىً غير مسبوق ، نتجت عنه شحّة ملحوظة في هذه العملة ، عجزت إزاءها عوائل مسافرة لعلاج أو سياحة عن توفير حتى مقادير ضئيلة من الدولارات لسدّ حاجتها ، كما عجزت المئات من العوائل عن تحويل مبالغ بالعملة الصعبة إلى أبنائها الدارسين في الخارج ، ماأوقعهم في حرج شديد .

حكومة الرئيس روحاني حاولت من جانبها وضع حلولاً سريعة للمشكلة ، مثل محاولتها تحديد سعر جديد للدولار لايتجاوز ٤١٠٠ تومان للدولار الواحد ، كما ضخّت إحدى شركات البتروكيمياويات عشرات الآلاف من اليوروات في خزانة البنك المركزي ، لكن من المستبعد أن تؤدي هذه الإجراءات إلى حلحلة الأزمة .

و الغريب ، أن أطرافاً محسوبة على التيار المحافظ في الحكم الإيراني ، تحاول استثمار مثل هذا الإنهيار الإقتصادي لغرض الإجهاز على حكومة الرئيس روحاني الإصلاحية ، بدلاً من مساعدتها بعقلية الفريق الواحد ، على إخراج البلاد من أزمتها الخطيرة . من ذلك ماقاله المدعي العام للبلاد من أنه زار العراق مؤخراً و لاحظ أنه حتى مثل ذلك البلد الغارق في الأزمات كما قال ، تجاوزت قيمة عملته الوطنية ( الدينار ) قيمة التومان الإيراني بكثير و كثير جداً نتيجة الهبوط الأخير في قيمة التومان مقابل العملات العالمية و الإقليمية ، و هو إيحاء واضح بعدم جدارة حكومة الرئيس روحاني بالإستمرار و كسب الثقة .

الأوساط الإقتصادية الإيرانية تؤكد أن الأزمة مفتعلة ، ذلك لأن سعر الذهب لم يطرأ عليه أي تغيير ، و هذا الإفتعال بحدّ ذاته يطرح أكثر من تساؤل و استغراب ، فهل يحاول الغرب ، و أميركا بالتحديد ، التمهيد لمرحلة الحصار أو مرحلة مابعد إلغاء الإتفاق النووي ، عبر عملاء محليين يثيرون الفزع و الهلع في نفوس المواطنين ، مايدفعهم إلى شراء كميات كبيرة من العملة الصعبة ، و التسبّب في شحة مفتعلة لها ، الأمر الذي يجرّد طهران من إمكانيات كثيرة للمواجهة ؟

هذه احتمالات قائمة ، و الأهمّ منها ، أن شحة العملة الصعبة و الحصارات المصرفية و التعاملية على الصعيد العالمي مع طهران ، من شأنهما تصعيب المضيّ في البرنامج الصاروخي البالستي ، الذي تعتمد عليه إيران في التخطيط لاحتمالات المواجهة العسكرية مع الغرب ، و تحديداً أميركا ، و معهما إسرائيل طبعاً .

واضح إذن ، إن الأزمة الدولارية في إيران واحدة من مفردات الحرب الدافئة القائمة بين إيران و الغرب ، و هي حرب دافئة لأنها ليست باردة و كلامية فقط بكل تأكيد ، و لكنها لم ترقَ حتى الآن إلى مستوى الحرب الساخنة أو الفعلية .

و ليست تجربة إركاع الأمم إقتصادياً عند العجز عن إركاعها عسكرياً أمراً جديداً ، فصديقة إيران مثلاً أي فنزويلا ، التي كانت صاحبة أقوى اقتصاد أحادي في أميركا اللاتينية خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وصلت بعد مثل هذه الإركاع البطيء إلى مستوىً من شحة الموارد و التضخم و انهيار العملة الوطنية ، إلى درجة منح الموظفين الحكوميين حوافز للعمل لاتتجاوز طبقة بيض أو ربطة خبز ، بعد أن خلت المتاجر من أي شيء يمكن أكله ، و تضوّر الناس جوعاً و هم يقفون في طوابيرهم الطويلة و المملة أمام أبواب التعاونيات و السوبرماركتات للحصول على أي شيء يمكن أن يسد الرمق .

هذا التطور ( تدهور سوق العملة الصعبة في إيران ) يفرض على الدول القريبة منها ، خصوصاً القائمة على اقتصاد أحادي لايتجاوز النفط كمورد وحيد ، أن تفكر في احتمالات المستقبل ، سواءً من ناحية نضوب النفط أو الاستغناء عنه لصالح بدائل يجري العمل على توفيرها على قدم و ساق في الدول المتقدمة ، أو من ناحية احتمال حصول مواجهات باردة أو ساخنة في المنطقة ، تتطلب اتخاذ مواقف حاسمة لصالح الإنتماءات الوطنية و القومية و الدينية و المذهبية ، قد تفترض دفع ثمناً باهظاً أو أثماناً باهظة من القوت اليومي للشعب أو مفردات استقراره على الصعيدين القريب و البعيد .

و أخيراً ، إذا كانت إيران تعاني هذا الإنهيار الإقتصادي و هي قارة اقتصادية متنوعة بمعنى الكلمة ، و لديها إنتاج محلي زراعي و صناعي قديم ، فماذا يقال عن البلدان التي تستورد من الخارج كل شيء ، و لا تصدر سوى بضاعة واحدة في طريقها إلى الكساد و البوار ، هي النفط ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق