الرئيسية

العبادي وكردستان…اول نجاح للحوار بدون السلاح في التاريخ العراقي المعاصر

أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، عن إعادة فتح مطاري اربيل والسليمانية للرحلات الدولية بعد استجابة السلطات المحلية في إقليم كردستان لإعادة السلطة الاتحادية اليهما، وقال العبادي خلال لقائه مع ضباط وزارة الداخلية العاملين في مطارات إقليم كردستان إنه “وقع امرا ديوانيا بعد استجابة السلطات المحلية في اقليم كردستان لإعادة السلطة الاتحادية الى المطارين المذكورين حسب الدستور، حرصا على تسهيل سفر المواطنين “، وتابع انه “سيتم كذلك تشكيل لجنة عليا للإشراف على إدارة مطارات الاقليم ومنافذه، والتأكد من الالتزام بالمعايير الاتحادية، تضم ممثلين عن جميع السلطات المعنية في المركز والإقليم وترفع تقاريرها الى القائد العام للقوات المسلحة او من يخوله.”.

لم تدرك حكومة كردستان قيمة المطارات الا بعد ان اوقف العمل بها من قبل الحكومة المركزية في بغداد، عندها اكتشف العالم انه لايوجد شيء اسمه كردستان منعزل عن العراق، وانما هناك ارض عراقية ومدن تسمى السليمانية واربيل ودهوك، وعندما اوقف العراق الطيران انعزلت هذه المدن عن العالم وتوقف نموها واقتصادها تماما واصبح اي مسؤول يريد ان يدخلها او يخرج منها عليه ان يأخذ اذنا من بغداد كعاصمة اتحادية.

المطارات هي رمز الاستقلالية وهي شريان الحياة لكردستان وهي الوجه المعبر عن حرية الاقليم وهي نافذة القيادات الكردية على كل العالم ونافذة العالم عليهم اصبحت اليوم تدار بالشراكة الوطنية بين كردستان وبغداد، حيث تنازل الطرفان استجابة للدستور العراقي لبعضهم واكتفى كلا منهم بجزء من الغنيمة وفقا للقانون وهذا بحد ذاته انجاز يحسب لبغداد والكرد….

لم يكن سهلا ان يسمح القادة الكرد على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم لعربي في بغداد وان كان رئسيا للوزراء ان يتحكم بطائراتهم التي تقلهم وعوائلهم ومصالحهم فتعلم بغداد (الطاير و الحاط) وبناء على ذلك فبغداد قادرة من خلال ذلك ضبط ايقاع كل ما يرتبط بالاقليم من خلال وجودها بالمطارات الكردية، رغم ذلك وافقت حكومة الاقليم ـ وان كانت مجبرة ـ على هذه الخطوة، وموافقتهم رسالة وتجربة مهمة اثببت بان هناك عقلية كردية جديدة وان هناك اسلوبا كرديا جديدا وان هناك قناعات كردية جديدة تختلف عما كان يدور في ذهن السياسي الكردي من قبل…

بغداد وحكومتها المركزية تخلت عن عنجهية الدولة القومية او الديكتاتورية قبل سقوط صدام ، او دولة مصالح الاحزاب التي جائت بعد صدام ، وبغداد الآن دولة ما بعد الانتصار على داعش تعاطت بصورة قانونية دستورية مع الاقليم فلم تستثمر ضعف الكُرد او التأييد العالمي لها او اندفاع تركيا وايران معها لكي تقمع الكرد او تجبرهم على التوقيع للتخلي عن منجزاتهم، وانما وصلت معهم الى منتصف الطريق، فكردستان اقليم فدرالي عراقي وبناء على هذا  الاصل فله من الحقوق ما يجب ان يتمع بها وعليه التزامات لابد ان ينفذها ولكن بالحوار وان كان الخشن او بالضغط السياسي وربما الاقتصادي لاجبار بعض متعصبي كردستان للاذعان للدستور ولكن بعيدا عن لغة العنف  والقسوة والسلاح والتحشيد الاعلامي …

الاهم ان هذا الاتفاق هو الخطوة الاولى في تصحيح مسارات العلاقة بين (الشيعة والكرد) التي بنيت على المصالح الحزبية الضيقة منذ مابعد 2003، وانطلق بالعلاقة الشيعية الكردية الوطنية الى رحاب المصالح الوطنية الاكبر حيث يشعر فيها المسؤول الشيعي والكردي انهم يعملون من اجل وطن اسمه العراق وليس من اجل احزاب او طوائف او قوميات.

للمرة الاولى في النزاع بين بغداد وكردستان، يبقى الكردي مواطنا معززا مكرما وليس من العصاة او المتمردين، وللمرة الاولى في النزاع بين الحكومة والكرد يضع الطرفين فكرة اللجوء للسلاح او القوة او التآمر للاطاحة بالثاني جانبا، فلم يلجأ الكردي الى الصنگر ولم يلجأ العربي الى الجيش، ومع ان القصة ليست وردية تماما او خالية من الخشونة احيانا، لكنها تجربة اولى وميزت التجربة الاولى ان تكون صعبة وطويلة ومكلفة لكن نجاحها هو النتيجة التي سيبنى عليها وطنيا في المستقبل…

من هنا لابد ان نؤكد على ان هذا النجاح عائد لارادة كردية تركت الكثير من مخلفات الماضي القومي وعنترياته واستفادت من تجربة الحكم معترفة بأن بعض عنجهيات القادة الكبار لم تعد تصلح للزمن الحالي وان ترك زمام المبادرة لرجال الكرد العاملين مع الدولة هو الحل، وكذلك لإرادة حكومة ورئاسة وزراء في بغداد لاتريد اكثر من تطبيق القانون واحترام حدود التعامل الوطني، فمبروك لكردستان فتح مطاراتها بعد ان عمدت بماء القانون الوطني وبروح الدستور الاتحادي، ومع فتح المطارات تستعيد كردستان حريتها وهيبتها ، ومبروك لبغداد لانها اثببت ان القوة والسلاح والجيش ليست هو الحل وانما القوة للدستور والقانون وسعة الصدر آلة الحكم.

ما حصل اليوم هو انجاز وطني وهو بداية لعقلية عراقية جديدة عربية في بغداد وكردية في كردستان تثبت على ان الحوار والتفاهم وتطبيق الدستور والقانون هو حياة، وان العنف ولغة السلاح والتأمر اصبحت طرق او سائل من الماضي القديم الذي تريد العقلية السياسية العراقية عربية او كردية ان تبتعد عنه وتجد لنفسها مسارا جديدا معبدا بالتفاوض او الحوار وان كان الشاق والطويل والمجهد لكنه يحفظ كرامة الطرفين، انه درس جديد (عربي كردي) في ان قطرة دم واحده من مواطن عراقي اكرم من ان تسال على قضايا يمكن ان تحل بالحوار والتفاهم ضمن اطار الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق