الرئيسية

في الخلاف على الوجود العسكري الأمريكي !

المدار/ فريق التحليل السياسي

يبدو ان حمى الانتخابات البرلمانية سرت في جسد الخلاف على كل التفاصيل الوطنية وملفاتها المهمة ومنها مستقبل وجود القوات الامريكية في العراق!.
فصائل في المقاومة الإسلامية انبرت لقناعات شرعية واخلاقية ووطنية الى اظهار الممانعة الشديدة لوجود هذه القوات ومنها من استخدم لهجة التهديد ولغة الوعيد والتصعيد لجهة الزام القوات الامريكية الخروج من العراق فيما اكد رئيس الوزراء ان الحاجة لازالت ملحة ومطلوبة لبقاء بعض هذه القوات!.
في الخريطة الوطنية هنالك دوافع فيها ممانعات شرعية واخلاقية على اصل استمرار الوجود الأمريكي في العراق وهنالك طرف حكومي يريد استمراره وما بين (الاستمرار والممانعة) تدخل الانتخابات العراقية نفقا طويلا من الجدل السياسي مثلما دخلت القوات الامريكية وملف اصل الوجود واستمرار المهمة ورقة انتخابية رابحة عند فئة وخاسرة وغير مربحة لدى اطراف مهمة وفاعلة في المشهد العراقي.
ما يفترض ان يعنينا في هذا الاطار مجموعة من الملاحظات المرتبطة بنظام المصالح الوطنية العليا التي تسالمنا عليها منذ 2003 واقرتها وثائق القوى الوطنية والإسلامية ودعمتها المرجعية الدينية والمؤسسة الروحية العليا في البلاد .
من هذه الملاحظات .. حماية المصالح الوطنية واحترام سيادة العراق على ارضه ومياهه وترابه واجوائه وعدم التفريط بالمصالح الاستراتيجية العراقية بما يدعم استقراره ويؤكد عافيته السياسية ونهضته الاجتماعية والاقتصادية وعلاقاته “الموضوعية” بالبلدان والقوى المحيطة والمجتمع الدولي واتفاقاته الكبرى التي ابرمها مع العالم .. هذه الاتفاقات ومنها الاتفاقية الاطارية مع واشنطن حيث حصل اجماع وطني عليها.
ومن الملاحظات أيضا .. ان الاجماع الوطني حول الاطارية الامريكية العراقية لن يتم تخطيه الا بأجماع سياسي مماثل والا فان العلاقة الموضوعية مع واشنطن واحترام الخصوصية الوطنية وعدم التدخل سيكون في مهب الريح وسيتحول العراق في المرحلة المقبلة بلدا مفتوحا على المؤامرات ومنفتحا على حزمة من الرايات السوداء والبيضاء والخضراء والحمراء في وقت لن يحقق الكلام المطروح حول وجود القوات الامريكية شيئا وسيفسر الكلام عن اخراج القوات الأجنبية بالقوة ترويجا لبضاعات سياسية وملفات غير مثقلة الحجة وطنيا ما يكسبنا خفة في الوزن دوليا ويربك خطط الحكومة العسكرية والأمنية والسياسية ونحن للتو خارجون من احتلال 3 سنوات لثلاثة ارباع السيادة الوطنية!.
من الملاحظات ان الأولوية للمصالح الوطنية العراقية العليا واجراء الانتخابات ومتابعة مراكمة العمل العسكرية والأمني في المناطق المحررة ومطاردة الرايات الداعشية على اختلافها والابتعاد عن فتح الثغرات العسكرية في جبهات وسواتر لا تحظى بأولوية وطنية ملحة .. وبالمقارنة بين وجود قوات أمريكية محكومة باتفاق اطاري مارست جهدا عسكريا جويا واستشاريا الى جانب القوات الأمنية العراقية ووجود الرايات الداعشية ومكافحة ارهابها المحلية فان أولوية داعش ستكشف بالدليل ان الذهاب الى الخيارات الابعد عن مهمات الملف الوطني تشكل قراءة غير صائبة لمعنى ان تكون لنا أولويات وانتخابات ومصالح وطنية.
السؤال المنطقي ..
متى يتم الانسجام بين خطاب مناهضة الوجود الأمريكي المشروط بالاتفاقات الاطارية بين البلدين وخطاب الدولة والحكومة اللذين يؤكدان ضرورة وجوده لأنه مرتبط باستراتيجية مكافحة الإرهاب؟.
واذا كان حزب الله يشتغل بمنطق المقاومة في مواجهة إسرائيل، يشتغل بنفس الوقت لحماية الدولة ويقيم علاقة متوازنة مع الرئيس عون وينسق مع القوى الوطنية لاستمرار زخم الممانعة ., لماذا لانطبق نفس الاستراتيجية عبر التنسيق مع القائد العام ورئيس الحكومة ولا نقع في خلاف ترجيح المصالح والاولويات فيستفيد العدو الداعشي منه ويربك “العلاقة مع واشنطن” ويدفعها في عهد ترامب الى استمرار وجودها العسكري بالاستفادة من وجود هذا النوع من الخطاب؟.
اظن ان الوجود العسكري الأمريكي في العراق يحتاج الى حوار وطني عام تجتمع فيه قوى المقاومة وقوى الدولة لتحديد أولويات المستقبل والمصالح كما حصل هذا الاجماع في زمن رحيل القوات الامريكية في الــ 2011 وتأسيس الاتفاق الاطاري.
ان غياب الحوار الموضوعي المسؤول هذا سيحول المسألة ورقة انتخابية وهو ما يضعف مستويات الحدود المختلفة وجبهتنا الداخلية ويرصن جبهة العدو الذي عاد يتحرك بقوة في كركوك اغتيالا وتفجيرات وفي بغداد أسلحة كاتمة وعمليات إرهابية!.
ليس من حقنا في القوى الوطنية ان نحدد مسارات الدولة .. واذا كان من حقنا التوجيه والنصح والتسديد والاشارة الى مواضع الخلل ومواقع الهنة والشبهة وخدش السيادة فليس من حقنا الإعلان من طرف واحد مقاومة الوجود الأمني حيث يعد الإعلان خرقا للسيادة وهبية الدولة وشرعية الحكومة.
الجديد اللافت في الامر ان لهجة التصعيد ضد وجود القوات الامريكية لم تنهض بها وثيقة في الاجماع الوطني ولم تحظ بأجماع في خط الفصائل الإسلامية والوطنية العراقية التي انخرطت بقوائم الانتخابات القادمة!.
هذا يعني ان هنالك تطورا مهما في مساحة التأييد للتجربة الوطنية في الحكومة ونضوج في رؤية المصالح الوطنية ورغبة في الاندماج بالواقعية السياسية التي ترجح المصالح والانسجام مع رؤية العراق بلدا معافى من هيمنة القوى الأجنبية على اختلاف مستوياتها واشكالها ومظاهرها.
الضرورة الوطنية لا الانتخابية تفرض بقوة اخراج ملف الوجود الأمريكي من الجدل السياسي واستثماراته الفئوية والحزبية والحسابات الإقليمية ووضعه على طاولة الحسابات الوطنية وتقديرات الحكومة طالما تحظى الحكومة بشرعية الوجود من قبل القوى المنضوية في اطار شرعية التحالف الوطني.
ليتذكر أصحاب منطق المواجهة ان هنالك ذئبا خلف الباب يتربص بالعراق وشعبه والضرورة تقتضي عدم افساح المجال لمن يتربص بتدمير التجربة والعبث بالديمقراطية واستهداف حلم العراقيين بمجيء حكومة اقوى.
ان السيادة الوطنية تكليف تفرضه الشريعة والضمير والايمان بـ40 مليون مواطن عراقي وحقهم في التمتع بالحرية والأمان والاستقرار حاله حال الشعوب المحيطة لذلك يفترض ان يتصدى المخلصون لأولويات الشعب العراقي وواقعياته لإدارة قراره وإدارة أولوياته .
ان تصفية الحساب مع وجود قوات اجنبية في البلاد لابد ان يخضع لحسابات وطنية تستجيب لحال البلاد ومتطلباتها ولن تكون صدى لتوجهات وحسابات غير وطنية!.

الضرورة تقتضي ان يكون العراق أولا وان تتحول المقاومة جزءا من حلم حكومته وشعبه في الاستقرار وإقامة العلاقات الهادئة والمستقرة مع جيرانه والعالم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق