الرئيسية

هل يصح الافتاء بحرمة الانتخابات او الدعوة لمقاطعتها؟

المدار / محمّد صادق الهاشميّ


أودّ الايضاح بإسلوبٍ سهلٍ خالٍ من التعقيدات والاصطلاحات التخصصية ، آملا من المختصّين في القانون والتشريع الاسلاميّ ،  إبداء آرائهم القيمة في الموضوع.
1. لا يحقُّ لأيّ فقيهٍ – مهما كانت منزلته وفقاهته – أنْ يفتي بالجواز أو الحرمة بما يتعلّقُ بحقوق الناس الشّخصية، «مادّياً ، ومعنويّاً » ، مثلاً لا يتمكّنُ الفقيه أنْ يقول لك : إنّ دارك التي هي ملكك محرّمٌ عليك السّكن فيها , ولا يتمكّنُ أنْ يجري عليها الفقيه أو القانون أيّ نوع من العقود كالبيع ، والإجارة ، الهبة إلّا بعلمِ وموافقة وإجازة مالكها ، لقول النّبيّ ’ : «لا يحلّ مال المؤمن إلّا بطيب نفسه » ، وقوله تعالى : {يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أنْ تكون تجارة عن تراض}. وهكذا في الامور المعنوية.
ومن الطّبيعي أنّ حقّ الانسان في انتخاب من يمثّله ويوكّله في إدارة شؤونه السياسية ، وحق الإنسان والمجتمع في انْ يكون هو مصدر السّلطات ، وأنْ تكون هذه الحقوقٌ يحفظها ويقر بها الدّستور وهي الأُخرى لا يحقّ لأيّ فقيهٍ ، أو سلطة قانونية أنْ تسقطها أو تحرّم العمل بها أو تفتي بما يسلب المواطن والمجتمع هذا الحقّ الشّخصيّ.

وكمثال بارز آخر نجدُ أنّ الإمام الخمينيّ حينما انتصرت الثّورة الإسلامية كان بإمكانه أنْ يكتب مسودّة الدّستور بيده ويأمر الأمّة أنْ تأخذ به كحقٍّ له ؛ لأنّه فقيه وحقه الشرعي يتمثل بكتابة التّشريعات التي هي من صلاحيات الفقيه ، وكتابة الدّستور الاسلامي تشريعٌ يدخل في باب المعاملات والعبادات والتي هي مساحة تشريعية للفقهاء ، وخير دليل على ذلك هو مبادئ الدّستور الإسلاميّ ، التي كتبها الشّهيد محمّد باقر الصّدر بيده أبّان انتصار الثّورة الاسلامية الإيرانية , إلّا أنّ الإمام اعتبر حقّ الإنسان الشّخصيّ في أنْ يختار ممثليه ، ودستوره ، ونظام الحكم السّياسيّ لا يمكن التّدخّل فيه ؛ لذا أوكل الأمر إلى الخبراء في كتابة الدّستور مع إجراء نظر الفقيه ، ومن ثَمّ عرضه على الأمّة لتصوّت عليه بالرّفض أو القبول ، وهو ذات الأساس الذي انطلق منه المرجعُ الأعلى السّيّدُ السّيستانيّ في منح الأمّة تحت قبة «الجمعية الوطنية» الحق بأنْ تكتب مسودّة الدّستور مع إجراء نظره بالقدر الذي لا تتعارض نصوصه مع قاعدة : «لا يحلّ الدّستور حراماً ولا يحرم حلالا» أو بعبارة أدقّ : «أن لا يتعارض الدّستورُ مع ثوابت التّشريع الإسلاميّ ».
(2). وهذا الأمرُ متسالمٌ عليه ، ويعدّ من بديهيات الفكر السّياسيّ وتبانى عليه القومُ فهل سمعتم فقيهاً في إيران أو في كلّ العالم الإسلاميّ أفتى بحرمة الانتخابات في إيران ، أو أصدر فتوى تسلبُ المواطنين حقوقهم المعنوية في اختيار من يمثّلُهم ؟ وعارض رأي الأمّة الشّخصيّ ؟. وهل سمعتم بمحكمةٍ في العالم الوضعيّ ، أو سلطةٍ قانونيةٍ تمنع المواطن من أن يمارس حقَّهُ الشّخصيّ الماديّ والمعنويّ ؟. 
الجواب : كلا ؛ لأنّه من المسلّمات لدينا في التشريعات بعدم امكانية صدور أيّ تشريع يسلبُ النّاس حقوقهم ، فللنّاس السّلطنة التامّة على حقوقهم الشّخصيّة.
(3). نعم يحق للمشرع أنْ يُصدرَ تشريعاتٍ تهذّبُ وتنسّقُ وترتّبُ الحقّ الشّخصيّ بأنْ توجّه المواطن نحو اختيار الأصلح والأنفع والمحقق لمصالح النّاس ، لا أنْ تسقط أصل الحقِّ. وهذا الأمر يعدُّ من مسلّمات الفقه الدّستوريّ ، ويعرفه العامّة من النّاس فضلا عن علمائهم .
من هنا فإنّ أيّ فتوى تَصدُرُ بتحريم الانتخابات لا قيمة لها ؛ لكونها تعدّ لغواً ؛ لأنّها تتعارض مع الحقّ الشّخصيّ الشّرعي وفق ما ذكرناه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق