الرئيسية

العلاقات العراقية السعودية…اهداف سياسية واقتصادية وستراتيجية متبادلة

خلال أسابيع معدودة، شهدت العلاقات السعودية العراقية، تقدما ملحوظا، رغم القطيعة بين البلدين منذ عام 1990. زيارات متعددة لمسؤولين كبار في البلدين، وتنسيق للمواقف، وعودة طيران، وإعلان دعم، ومشروعات مشتركة، كانت كفيلة لإبراز هذا التغير الكبير في مواقف البلدين. 
خلافات قديمة
وكانت العلاقات الدبلوماسية قد انقطعت بين البلدين بعد غزو الرئيس العراقي الأسبق «صدام حسين»، للكويت عام 1990.
وبحسب مراقبين، فقد ارتهن السلوك السياسي الخارجي للسعودية، في السابق، للرؤى الأمريكية بشأن العراق؛ فكانت الاستعانة السعودية بالقوات الأمريكية عشية أحداث أغسطس/آب 1990 بزعم «صد اندفاعات عراقية محتملة» صوب الرياض.
ثم فتحت الأجواء السعودية وأراضيها ومياهها للقوات الأمريكية في ما عرف بـ«عاصفة الصحراء» مطلع عام 1991، وصولا إلى السكوت الواضح المقترن بدعم غير محدود للغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام 2003.
واستمرت العلاقات غير ودية، رغم تغيير النظام السياسي العراقي بعد الاحتلال، رغم حالات الدمار التي شهدها العراق، والانفلات الأمني الذي بات يهدد المنطقة برمتها.
وقد تعمقت حالة الاختلافات بين بغداد والرياض، بعد ان تغلفتبالبعد الطائفي والتقاطعات القيمية، ثم تطور هذا النهج مع تصاعد اتهامات عراقية للسعودية بدعم مفترض للإرهاب الذي ضرب العراق بعد الاحتلال، وتحريض سعودي إعلامي وسياسي بالضد كل ما يرتبط بالعراق وحتى الرياضة والفن لم تسلم من التحريض المذهبي والفتوى الطائفية حتى بلغ عدد المقاتلين السعوديين مع جماعات القاعدة او داعش هو الاكثر عددا على مر تلك السنوات الطويلة.
إلا أن العلاقات سريعا ما شهدت توترا في أغسطس/آب 2016، بعد تقديم بغداد طلبا إلى الرياض، لاستبدال السفير السعودي «ثامر السبهان»، لاتهامها له بـ«التدخل في الشأن الداخلي العراقي»، وهي الاتهامات التي رفضها «السبهان».
فبراير/شباط 2017، كانت بداية التصالح بين البلدين، عندما زار وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» بغداد، في أول زيارة من هذا المستوى منذ عام 2003. وفي يونيو/حزيران 2017، زار «حيدر العبادي» مدينة جدة، في زيارة رسمية للمملكة استقبله فيها الملك «سلمان بن عبدالعزيز»، وولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، كل على حدة، وكانت الزيارة الأولى لمسؤول عراقي بعد 14 عاما من القطيعة بين الرياض وبغداد.
وكشف «العبادي» حينها، عن وجود رغبة قوية لدى القيادة السعودية للانفتاح على العراق. وخلال الزيارة، اتفقت السعودية والعراق على تأسيس مجلس أعلى للعلاقات، وأكدا أهمية تجفيف منابع الإرهاب، كما عبرا عن تصميمهما على مواصلة جهودهما لمحاربة التنظيمات الإرهابية وخاصة «داعش».
وفي يوليو/تموز الماضي، زار زعيم التيار الصدري «مقتدى الصدر» السعودية، بناء على دعوة منها،  والتقى ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، حيث شهد اللقاء استعراض العلاقات السعودية العراقية، وعدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. وجاء في بيان صادر عن مكتب «الصدر» حينها: «إننا استبشرنا خيرا فيما وجدناه انفراجا إيجابيا في العلاقات السعودية العراقية، ونأمل أنها بداية الانكفاء وتقهقر الحدة الطائفية في المنطقة العربية الإسلامية».
وعقب ذلك، زار وزير الداخلية العراقي «قاسم الأعرجي»، المملكة والتقى نظيره السعودي الأمير «عبدالعزيز بن سعود بن نايف»، في زيارة أثارت شكوك المراقبين من جدواها، حيث أن «الأعرجي» من القيادات الكبيرة لميليشيا «الحشد الشعبي» الموالية لإيران، وأن المملكة العربية لها مواقف معروفة سلفا ضد «الحشد» وضد طهران.
وفي أغسطس/آب الماضي، أعلن مجلس الوزراء السعودي، إنشاء مجلس التنسيق السعودي العراقي، في خطوة تؤشر إلى عودة الدفء للعلاقات بين البلدين الجارين.
وتزامن الإعلان عن تدشين المجلس مع إعلان محافظ الأنبار، «صهيب الراوي»، أمس الإثنين، إعادة فتح منفذ «عرعر» بشكل دائم أمام حركة المسافرين والحركة التجارية بين البلدين. قبل أن يتم الإعلان لاحقا عن إعادة فتح منفذ «جميمة» الحدودي مع السعودية.
كما زار وزير النفط العراقي «جبار اللعيبي»، السعودية في أغسطس/آب الماضي، على رأس وفد رفيع، تلبية لدعوة رسمية، وبحث ملفات النفط والطاقة مع المسؤولين في المملكة. والشهر الماضي، أعلنت السعودية، رفضها استفتاء كردستان، ودعمت وحدة العراق.
وأمس الأول، جدد الملك «سلمان»، دعمه وحدة العراق، معلنا في اتصال هاتفي مع «العبادي» رفضه نتائج استفتاء إقليم كردستان، فيما أعلن رئيس الوزراء العراقي أنه سيزور المملكة الأسبوع المقبل، دون ذكر يوم بعينه.
أما أمس، فقد بحث وزير النقل العراقي «كاظم فنجان الحمامي» مع سفير المملكة العربية السعودية في العراق «عبدالعزيز الشمري» تعزيز العلاقات بين البلدين في مجال النقل. كما وقع الجانبان مذكرة تفاهم مشتركة بين الطرفين لتنظيم خدمات النقل الجوي وتقديم جميع الخدمات الأرضية لطائرات المملكة وبالعكس.
واليوم، وصلت إلى بغداد اول رحلة جوية من شركة «ناس» السعودية للطيران تليها طائرة للشركة الملكية السعودية بعد توقف دام 25 سنة، حيث ستكون هناك رحلتان أسبوعيا.
وذلك قبل أن يصل رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول الركن «عثمان الغانمي»، إلى السعودية، بناء على دعوة من نظيره السعودي، في زيارة هي الأولى لمسؤول عسكري عراقي رفيع بهذه الدرجة منذ عقود.
فيما يقوم يقوم وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي «خالد الفالح» بزيارة رسمية إلى العراق السبت المقبل، حيث سيجتمع مع الرئيس العراقي «فؤاد معصوم» ويفتتح معرض هيئة الصادرات السعودية.
وقد تركزت الاجتماعات بين كبار المسؤولين من الجانبين على مدى الأشهر الستة الماضية على رعاية العراق بعيدا عن جارتها القوية والمنافس الإقليمي للسعودية، إيران.
ويرى كبار المسؤولين في الرياض، التي وضعت لنفسها أجندة طموحة للإصلاح الاقتصادي والثقافي، فرصة في إعادة إعمار المناطق السنية في العراق كجزء من التحركات الأوسع لكبح إيران وتأكيد قوة المملكة ما بعد تنظيم «الدولة الإسلامية».
بيد أن مركز «جيوبوليتيكال فيوتشرز الأمريكي»، يقول إن أنه من غير المحتمل أن تؤتي جهود المملكة ثمارها في ظل المناخ الإقليمي الطائفي الشديد الاستقطاب، مضيفا أن الجماعات الشيعية العراقية هي الطرف المستفيد من هذه العلاقة مع الرياض، حيث يمنحهم الانخراط مع السعودية اعترافا بنفوذهم في العراق.  ويؤكد المركز على أن الشيعة العراقيين يقومون بتنسيق هذه التعاملات مع السعوديين مع حلفائهم في طهران.
كما نقلت صحيفة «فاينانشيال تايمز» عن مسؤول خليجي بارز (لم تسمه)، قوله: «يمكننا رؤية أن هناك معركة هامة حول النفوذ في العراق، وقد فشلت الكثير من الرهانات على المجتمع السني (من قبل دول الخليج) في العراق، ولم تتمكن الجماعة السنية (العراقية) من الوصول إلى مجموعة قيادة ذات مصداقية».
أما الكاتب «جيمس دورسي»، فيقول إن هناك احتمالا أن يكون هذا التقارب السعودي مع الشيعة في العراق، محاولة من الأمير «بن سلمان» للبحث عن قناة تواصل جديدة مع إيران، وهو دور يمكن أن يؤديه «الصدر»، باعتباره أحد السياسيين العراقيين الشيعة القلائل الذين لديهم علاقات معقولة مع كل من إيران والمملكة.
وبحسب «دورسي»، فإنه على الأرجح، يرى الأمير «محمد» فرصة لاستغلال الخلافات داخل المجتمع الشيعي العراقي تجاه إيران، وحاجة الحكومة للمساعدة في بناء الجسور مع مواطنيها السنة.

المصدر / بتصرف عن الخليج الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق