الرئيسية

ليس هناك حق للانفصال في القانون الدولي ؟

قد تعلن حكومة كاتالونيا انفصالها عن إسبانيا قريبا مثلما يهدد اقليم شمال العراق كذلك، لكن لا يمكنهما الاستناد في ذلك على القوانين الأوروبية والدولية، لأن هذه القوانين لا تدعم الانفصال. فالقانون يضمن للشعوب تقرير مصيرها ولكنه يضمن للدول وحدة أرضيها أيضا.
ورغم أن حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ أساسي في القانون الدولي، إلا أن الحفاظ على وحدة أراضي أي دولة لا يقل أهمية عن ذلك. وتنطلق الحكومة الكاتالونية والحكومة الكردستانية من المبداً الأول لتبرير الانفصال أو الاستقلال، بينما تستند الحكومات المركزية في بغدا واسبانيا على المبدأ الثاني. في القانون الدولي ليس هناك حق للانفصال ما لم يتفق الطرفان عليه، وهذا لا ينطبق على كاتالونيا وكردستان.
لكن ليس بالضرورة أن يؤدي تشكيل دول جديدة إلى مشاكل دائماً، فعندما انفصل التشيك والسلوفاك في عام 1992، تم ذلك بالاتفاق بين الطرفين. وعندما أعلنت شعوب أفريقيا نفسها كدول مستقلة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، كانت القوى الاستعمارية تعارض ذلك جزئياً، ولكن حق الشعوب في تقرير مصيرها كان المبدأ الأساسي لدى الأمم المتحدة.
غير أن خبير القانون الدولي البروفيسور شتيفان تالمون قال لـDW إن الكاتالونيين لا يستطيعون الاعتماد على هذا المبدأ، وتابع إن “حق تقرير المصير، يشترط أن يكون هناك شعب ليستطيع الاعتماد على حق تقرير المصير، لكن جزءاً من سكان دولة وطنية ليس شعباً بالمعنى الدولي، حتى لو كانت له هوية مميزة، ولذلك فهذا الجزء لا يمكنه أن يستند على حق تقرير المصير”.
وحتى البافاريين، إن قرروا مغادرة جمهورية ألمانيا الاتحادية، لن يستطيعوا ذلك، تماما مثل الألبان في كوسوفو، لأن القانون الدولي لا يعتبرهم شعوباً. وقد أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا في عام 2008، ولكن حالتها القانونية لا تزال غير واضحة. ولا تزال صربيا تعتبر كوسوفو جزءاً من أراضيها. ورغم أن محكمة العدل الدولية اعتبرت أن إعلان استقلال كوسوفو لا ينتهك القانون الدولي، غير أنها لم تتطرق للوضع القانوني لها بل أكدت قرار الأمم المتحدة رقم 1244، بأن سيادة جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية -والتي تعتبر صربيا خليفتها- مضمونة. ومن ناحية أخرى، هناك حقائق بأن أكثر من نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 200 دولة قد اعترفت الآن بكوسوفو كدولة مستقلة. ومع ذلك، فإن إسبانيا ليست واحدة منها، لأن حكومة مدريد تخشى مسبقاً من استقلال كاتالونيا ومناطق أخرى أيضاً.
لا حق قانونياً للانفصال 
حالة أخرى هي اسكتلندا. لم تكن الحكومة البريطانية برئاسة ديفيد كاميرون آنذاك ملزمة قانونياً بإجراء استفتاء على استقلال اسكتلندا. ومع ذلك، فقد فتحت الطريق أمام استفتاء في اسكتلندا عام 2014 لتوضيح المسألة سياسياً. وكانت النتيجة أن صوت أكثر من 55 مقابل 45 بالمئة للبقاء في المملكة المتحدة. وحتى قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي رفضته غالبية الاسكتلنديين، وفقا للدراسات الاستقصائية، لم يغير شيئاً أساسياً في هذا الرأي. ويبدو أن مسألة استقلال اسكتلندا واضحة في الوقت الحاضر.
وبالنسبة لكاتالونيا، فلا يمكن التحدث عن اضطهاد للكاتالونيين أو منع للثقافة الكاتالونية اليوم، على عكس أيام الجنرال فرانكو، حيث تتمتع كاتالونيا باستقلالية واسعة. لا يرى شتيفان تالمون أي أساس قانوني لحركة استقلال كاتالونيا، ويقول: “ليس هناك حق لاستقلال كاتالونيا، لا في الدستور الإسباني ولا في القانون الدولي”. تقول زابينه ريدل من معهد برلين للدراسات الاقتصادية والسياسية  لوكالة الصحافة الألمانية: “الانفصاليون الكاتالونيون يريدون أن يجعلوا إقليمهم دولة مستقلة، ولكنهم لا يستطيعون ذلك من الناحية القانونية، لأنه يتعارض مع القانون الدولي، فهم يتمتعون بالحكم الذاتي”. وتؤكد أنه إذا غادر الانفصاليون إسبانيا، فإن العواقب ستكون وخيمة، وتضيف: “إذا رمينا الاتفاقات التي تم الوصول إليها بين الدول وراء ظهورنا، عندئذ ستكون هناك صراعات جديدة وربما حرب في أوروبا مرة أخرى”.
ونفس هذا التقييم ينطبق على ما يحدث الان في شمال العراق بعد ان اقدمت رئاسة الاقليم المنتهية الولاية الى اجراء استفتاء على الانفاصل تقول انه حضي بنسبة موافقة تفوق التسعون بالمائة، لان الوضع قريب حاليا من حرب داخلية اهلية في العراق وربما اجتياح اقليمي تركي ايراني لكردستان.
الدول الحالية لاتريد اي تغيير
ليس القانون الدولي هو وحده من يحمي الوضع الراهن للدول، بل القانون الأوروبي أيضاً. وتنص المادة 4 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أنه “يجب على الدول أن تحترم هوياتها الوطنية التي يتم التعبير عنها في هياكلها السياسية والدستورية الأساسية، بما في ذلك الحكم الذاتي الإقليمي والمحلي”، فضلا عن الحفاظ على “وحدة أراضيها”، بمعنى أن الانفصالات غير مرغوب فيها. والسبب هو أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تزال الأطراف الفاعلة الرئيسية. ويشير ستيفان تالمون مرة أخرى إلى القانون الدولي ويقول: “تم وضع القانون الدولي من قبل الدول القائمة، لذلك القانون الدولي يعارض بشدة أي تغيير في وحدة الأراضي، فلا أحد يضر بمصالحه”. ويضيف أنه إذا انفصلت الدول “على أساس مشاعر الهوية الشخصية” لمجموعات أو مناطق سكانية، فإنه “لن يكون هناك 200 دولة فقط، بل 300 أو 400 دولة”.
لكن “وزير الخارجية” الكاتالوني راؤول روميفا يعتقد أن الاتحاد الأوروبي “يستطيع تطوير نفسه”، ويقول عنه: “إنه مشروع عملي وديناميكي، يتكيف مع الواقع”. لكن الأمور لا تبدو كذلك الآن. وكان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر قد حذر من أن كاتالونيا لا يمكن أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي في صباح اليوم التالي للتصويت، وأضاف أنه من الضروري التقدم بطلب للعضوية مرة أخرى، للعودة لليورو والوصول إلى السوق الداخلية الأوروبية، حيث ستفقد ذلك عند مغادرة إسبانيا. وفي حالة تقديم كاتالونيا طلب العضوية أيضاً، فإن معارضة دولة واحدة فقط لذلك كافي من أجل منعها من الانضمام، وستفعل الحكومة المركزية في إسبانيا ذلك بالتأكيد، وربما بعض الدول الأعضاء الأخرى التي تخشى الانفصال أيضاً. وبالتالي فإن الانفصاليين الكاتالونيين لديهم أوراق سيئة، قانونياً وسياسياً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق