الرئيسية

خارطة شبكة المصالح الاقليمة التي ستؤثر على استفتاء كردستان؟

تقترب «كردستان العراق» من موعد إجراء الاستفتاء الخاص بالتصويت على انفصالها عن العراق، سيتم ذلك بالتحديد في 25 سبتمبر (أيلول) الجاري، في ثلاث محافظات تشمل المنطقة التي تخضع لحكم ذاتي.
وباقتراب هذا الموعد ترسم مصالح الدول الإقليمية والعالمية حدود الموافقة من عدمها على هذا الاستفتاء، فتتربع إسرائيل على عرش الموافقة والدعم لهذا الاستفتاء، بينما تقف دول داعمة للأكراد في موقف رافض لإجراء هذا الاستفتاء، كالولايات المتحدة وروسيا وألمانيا، أما الدول المعادية فتتصدرها تركيا وإيران وسوريا والتي ترفض بشدة إجراء  الاستفتاء، الأمر الذي يضعنا أمام التساؤل عن طبيعة شبكات المصالح والعلاقات الدولية التي تحدد موقف هذه الدولة أو تلك من تأييد أو معارضة هذا الاستفتاء.
إسرائيل الداعم الأول والرابح الأكبر
«الأكراد هم شعب مقاتل وعصري ولهم الحق في الاستقلال السياسي»، في 29 يونيو (حزيران) 2014، قال هذا التصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، خلال المؤتمر السنوي لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب.
وعاد نتنياهو يكرر تصريحات آخرها قبل يومين تدعم  إقامة دولة الكردية بما يحقق العديد من المصالح لإسرائيل، فهذا الدعم القوي للأكراد من إسرائيل الذي يعود إلى أمد بعيد، إلى أوائل الستينيات، انطلق بداية من عقيدة «تحالف المحيط» القائمة على تطوير إسرائيل لعلاقات قوية مع الدول لمواجهة المقاطعة العربية للدولة اليهودية، وبغية التقليص من عزلتها، فدعم أي حركة انفصال سيساعد على تشكيل محور من دول أقليات في الوطن العربي.
 ويذكر تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن: «إسرائيل حافظت على علاقات سرية عسكرية ومخابراتية وتجارية مع أكراد العراق منذ ستينيات القرن الماضي، وبشكل رئيسي بصفتها حاجزًا ضد أعدائها العرب في المنطقة»، كما يقول نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، اللواء «يائير غولان» في كلمة ألقاها في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «أنا معجب بفكرة كردستان المستقلة، كما أنني في الأساس أحب الشعب الكردي، وكما تعلم، لدى إسرائيل والشعب الكردي تعاون جيد منذ ستينيات القرن الماضي. وبالنظرة إلى الشرق الأوسط، أريد أن أقول إن التطور الإيجابي الوحيد في ما يتعلق بمصير المنطقة هو ظهور كيان مستقل من الكيانات الكردية».
وتعتقد إسرائيل أن استقلال الإقليم يتوافق مع مصالحها في قطع الهلال الشيعي، والتصدي للنفوذ الإيراني الذي كثفت الحديث عن تخوفها منه في الفترة الأخيرة، فحليف مثل «دولة كردستان» ستضمن لها تنفيذ أجندتها بمنع الدعم اللوجيستي لوكلاء إيران في العراق وسوريا ولبنان من وجهة نظرها، كما أن تركيا مستهدفة بشكل كبير من هذا الدعم، ويظهر ذلك بتزامن التصريح الأول لنتنياهو بدعم استقلال كردستان في العام 2014 مع القطيعة المستمرة بين إسرائيل وتركيا، على خلفية الاعتداء الإسرائيلي بحق السفينة التركية «مافي مرمرة»، كما أن التصريح الأخير الذي أطلقه نتنياهو اخيرا لتأييد الاستفتاء الكردستاني، يأتي أيضًا في مرحلة من التوتر بين الدولتين بفعل المواقف التركية المؤيدة لحركة حماس في قطاع غزة.
وبشكل أوسع تعتبر إسرائيل تحول هذا الإقليم لدولة بمثابة اختراق للدول الأربع الأعداء لها، وهي إيران وتركيا وسوريا والعراق، فحسب المنطق الإسرائيلي أن: «دولة كردية ستكون نواة لدولة كردية أكبر يمكن أن تضم لها مناطق الوجود الكردي في شمال وشمال شرق سوريا، وشرق تركيا وغرب وشمال غرب إيران، وبذلك تصطاد إسرائيل عدة عصافير بحجر واحد»، ولا تبعد المصالح الاقتصادية عن إسرائيل، فحسب ما كشفته صحيفة «فايننشال تايمز » البريطانية في أغسطس(آب) 2015 فإن 75% من واردات إسرائيل من النفط تصل إليها من كردستان العراق، وعن آخر ما يمكن أن تستفيد منه إسرائيل في حال تحقيق الاستقلال، تقول «نيوزويك» الأمربكية عن أن: «وسائل إعلام تركية زعمت أن جماعات كردية متنافسة عقدت اتفاقًا لجلب مئتي ألف يهودي من أصل كردي لإعادة توطينهم في إقليم كردستان العراق، وذلك في صفقة سرية مقابل دعم إسرائيلي لاستقلال الأكراد»، بحسبها.
تركيا وإيران والنظام السوري.. خوف كبير يخيم عليهم
لا يخفى أن تركيا لديها علاقات جيدة مع حكومة كردستان العراق، فاستثماراتها تتدفق على مدينة «أربيل» عاصمة الإقليم، ورئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني يزور إسطنبول باستمرار.
ورغم ما سبق تعارض تركيا بقوة استقلال الإقليم عن العراق، وهي معارضة تنبع من صراع متأصل بين الدولة التركية و أكرادها، الذين يمثلون حوالي 15 أو 20 في المائة من السكان، فإعلان دولة كردية على قسم من أراضيها أو في أي من الدول المجاورة لها (سوريا وإيران والعراق) يضرب بمصالحها القائمة على منع أي كيان كردي مستقل يهدد أمنها القومي، ويوجد كيان سياسي كردي يكون بمثابة المخلب الدولي لتغذية العمليات الانفصالية داخل أراضيها، فكما تذكر مجلة «فورين بوليسي»: «في الوقت الذي ترى فيه تركيا، التي يعيش فيها عدد كبير من الأكراد، فإن دولة كردية مستقلة في العراق ستفتح الباب على المزيد من تململ الأقلية الكردية لديها، وكان خوف تركيا من المطامع الكردية هو ما دفعها للتدخل عبر الحدود في سوريا أيضًا»، فـتركيا أطلقت في أغسطس (آب) الماضي عملية عسكرية كبرى في شمال سوريا لطرد تنظيم الدولة، ومنع المقاتلين الأكراد في سوريا من ربط المناطق التي يسيطرون عليها.
أيضًا طهران كما تركيا والحكومة المركزية في العراق، فناهيك عن إدراكها لخطر النفوذ الإسرائيلي الهادف إلى تفتيت مصالحها في كردستان بقطع الهلال الشيعي، فقد ظهرت السعودية باعتبارها مؤيدة للاستفتاء وهو ما يستوجب على إيران في إطار المضاربة الوقوف ضد استقلال الاقليم، وقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي إن: «الموقف الأولي لإيران هو دعم وحدة أراضي العراق، فمنطقة كردستان جزء من الجمهورية العراقية، وأي قرار يتخذ من جانب واحد بمعزل عن الإطار الوطني والقانوني يمكن أن يؤدي فقط لمشاكل جديدة».
ويظهر النظام السوري كحليفه الإيراني، يعارض إقامة كيان مستقل لأكراد العراق، فأكراد سوريا الذين تحركوا متأخرًا في الثورة السورية ورفعوا شعارات قومية خالصة، تعالت هتافاتهم التي تنادي بإقامة فدرالية، إذ طالب المجلس الوطني الكردي الذي تأسس 2011، بهذه الفدرالية تأثرًا بتجربة كردستان العراق، فرغم أن حال كرد العراق يختلف بخصوصيته عن كرد سورية، سواء من خلال الجغرافية المتصلة أم الحضور الكردي الطاغي إلا أن التخوف من وجود دولة مستقلة حاضر لدي النظام السوري.
يقول الباحث المختص في العلاقات الإستراتيجية العربية التركية «ربيع الحافظ»: «شكل استفتاء أكراد العراق بشأن الاستقلال حافزًا لأكراد سوريا على التمرد أكبر مما شكله الحكم الذاتي لأكراد تركيا، الذين كانت معركتهم ضد دولة مستقرة وجيش قوي، وقرار معركتهم -التي بدأت في 1984- سبق ذلك الوقت الذي كان في فترة استقرار سياسي وأمني في الدول الرئيسية الثلاث (تركيا والعراق وإيران)»، ويضيف في مقاله المنشور على موقع «الجزيرة نت»: «سيفتح استفتاء أكراد العراق -الذي لن يحصل إلا بضوء أخضر أمريكي- شهية أكراد سوريا لانفصال لا مناص منه، وهناك إجماع على أن الأحزاب القومية الكردية سارعت -على مر العهود السياسية- إلى الانخراط في خلافات الكبار لمصالحها السياسية، ورفعت العلم الكردي على أرض معركة عسكرية يشترك علمها معها في الشكل (العسكري) ويختلف في الغاية (الفكرية)»، مشيرًا إلى أن: «رسالة استفتاء أكراد العراق إلى أكراد سوريا ثنائية المغزى؛ مغزى بعيد النظر معلق بضرورات عصر التكتلات ويتلقاه المجتمع المدني الكردي، ومغزى معلق بالنزاع المسلح والتنافس الأمريكي الروسي وتتلقاه الفصائل المقاتلة الكردية».
السعودية والإمارات تدعم «استقلال كردستان» لضرب تركيا المتحالفة مع قطر
في الفترة الأخيرة، أخذت المواقع الإعلامية الكردية تتفاخر بأن آلاف المواطنين السعوديين يدعمون إجراء استفتاء الاستقلال مستشهدة بتصاعد وسم (#SaudiWithKurdistan) الذي تصدر موقع تويتر.
لكن وسائل الإعلام الإسرائيلية هي السباقة في الحديث عن دعم سعودي لاستقلال كردستان العراق، فنشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية مقالاً بعنوان «محاولة جديدة لاستقلال كردستان»، قالت فيه إن: «المملكة العربية السعودية تدعم استفتاء كردستان، ويمكن أن تدعم دول سُنية أخرى هذا الاستفتاء»، بل ذهب الباحث الإسرائيلي في مركز «يروشليم لدراسة الجمهور والدولة»، بنحاس عنبري، إلى القول أنه: «تسفر الأزمة الناشبة بين دولة قطر وعدد من الدول الخليجية إلى تحسين فرص تشكيل كيان كردي شمال وشرق سورية»، مشيرًا إلى أن: «تحولًا جذريًا في موقف السعودية من حل الأزمة السورية يمكن أن يحدث في أعقاب الخطوات التي أعلنتها ضد قطر، فهناك ما يدفع للاعتقاد بأن الرياض ستتجه لتأييد تقسيم سورية لمناكفة تركيا التي أعلن رئيسها، رجب طيب أردوغان، تضامنه مع قطر».
وظهر التأييد السعودي بوضوح بعد إعلان أنقرة مواقفها الداعم لقطر، رافضة الإجراءات المتخذة ضدها من قبل السعودية والإمارات التي تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربيّة التي لديها استثمارات في كردستان، فقد أجرت صحيفة الرياض مقابلة مع رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «صالح مسلم»، قال فيها: «أن التحالف (الإيراني، القطري، التركي) قائم ونحن عانينا ولا زلنا نعاني منه الأمرَين ونقاومه ونتصدى له إلى الآن، فهذا التحالف غزانا في عقر دارنا وتسبب في استشهاد الآلاف من فلذة أكبادنا، منذ 2012 وإلى الآن بأدوات تختلف أسماؤها وتلتقي أفعالها. فنحن أكثر من عانى من سياسات الإبادة وإنكار الوجود على أيدي هؤلاء».
وقد نشرت صحيفة «يني شفق» مؤخرًا ما يفيد بوجود تنسيق سعودي أمريكي إماراتي لدعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) في المناطق التي يوجد فيها بسوريا، وذكرت الصحيفة أن اجتماع عقد في «الحكسة» بسوريا بغية «تحديد استراتيجية مشتركة لمستقبل النفط السوري، وقد تم اختيار ممثلي العشائر العربية من الداخل السوري من قبل الرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أحمد الجربا المحسوب على أبو ظبي، بينما اختار القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان الشخصيات السورية من الخارج يقيم بعضهم في القاهرة وبعضهم الآخر في إسطنبول».
من جانبه، يقول الكاتب الكردي «هوشنك أوسي» : «الخليج أيضًا، وفي مقدّمها المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات، لم تعد تنظر إلى قيام دولة كردستان من تلك الزاوية القوميّة الضيّقة، المتأثّرة بالدعاية البعثيّة.
روسيا وأمريكا وألمانيا أيضًا ترفض استقلال كردستان
«هناك مخاوف من حدوث مواجهات بين العرب من جهة والأكراد من جهة أخرى، وهذا ليس فقط في العراق، فالتحركات الانفصالية موجودة في سوريا أيضًا، حيث الأكراد في سوريا يعتزمون إجراء الانتخابات المحلية في وقت قريب، ويمكن توقع مثل تلك التصرفات في تركيا، وأنا لا أستبعد أن يؤدي كل ذلك إلى حرب جديدة بين العرب والأكراد»، هذا ما قاله المستشرق والصحافي في صحيفة «إيزفيستيا» الروسية،أندريه اونتيكوف، ليلخص الموقف الروسي من استقلال كردستان العراق.
فروسيا التي تتمسك بفكرة وحدة العراق حاليًا، تؤمن أن استقلال إقليم كردستان العراق يعني توتر وتصعيد وانهيار الأوضاع الأمنية في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
أيضًا، وبالرغم من تقديرها لـ«التطلعات المشروعة لمواطني كردستان العراق» كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأمريكية، فواشنطن تدعم عراق موحد، وترى أن هناك أولويات أكثر إلحاحًا كهزيمة «تنظيم الدولة»، فكما قال وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس للصحافيين في أربيل: «همنا الآن هو البقاء مركزين مثل شعاع الليزر على هزيمة تنظيم الدولة»، فالولايات المتحدة وألمانيا وروسيا باعتبارها دولًا عملت على إيجاد منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق، مضطرة لتبني موقف الاتحاد الأوروبي الذي يخشي من أن يتسبب الاستفتاء بالمزيد من عدم استقرار العراق.
وقد نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر قولها أن السفير الأمريكي في العراق «دوغلاس سيليمان» قدم ثلاثة خيارات لأكراد العراق، تظهر رفض واشنطن لإجراء الاستفتاء، وهي: «الخيار الأول هو عدم إجراء الاستفتاء وعدم تحديد موعد آخر، وفي هذه الحالة يستمر الدعم الأمريكي للكرد، والثاني إجراء الاستفتاء داخل أراضي الإقليم فقط، وستحصلون على سكوت أمريكي، والثالث، وهو أخطرها، إجراء الاستفتاء داخل الإقليم وخارجه، وفي هذه الحال يتحمل الكرد وحدهم مسؤولية ذلك، ولا يحصلون على أي دعم أمريكي، حتى لو تدخلت بغداد أو إيران عسكريًا».
وترفض ألمانيا التي تعتبر شريكًا رئيسيًا لأكراد العراق بتزويد السلاح والعتاد إجراء الاستفتاء، فقد قال وزير الخارجية الألماني «سيجمار جابرييل» : «نحذر من اتخاذ خطوات أحادية الجانب في هذه القضية، خصوصًا أن إعادة رسم حدود الدولة ليست هي الطريق الصحيحة وقد تؤدي إلى تفاقم الموقف الصعب والمضطرب أصلًا في أربيل وبغداد أيضًا».

المصدر / ساسة بوست + وكالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق