الرئيسية

الجوانب الدستورية والقانونية لاستفتاء انفصال اقليم كردستان العراق

خاص / المدار / د. احمد الميالي 
‎يبدو للمراقب لسلوكيات رئاسة اقليم كردستان المختلف حول شرعيتها ان هنالك ميلا كبيرا نحو الانفصال عن الدولة الاتحادية العراقية والتصعيد والتهديد باجراء الاستفتاء وتقرير المصير ، وهذا ناجم عما يلمسونه من مساندة دولية واقليمية، رغم ان الواقع خلاف ذلك تماما.
ولهذا نجد ان ارتفاع نبرة انفصال إقليم كردستان عن العراق بشكل غير مسبوق، تجاوبا وتماشيا مع ظروف محلّية وإقليمية كرّست دورا كرديا أكبر واكثر اهمية في ملفات المنطقة، وعلى رأسها الحرب على تنظيم داعش التي شاركت فيها قوات كردية في العراق، وتمكّنت من خلالها من بسط سيطرة ميدانية على عدّة مناطق.
وقبل فترة صرح رئيس الإقليم مسعود بارزاني المنتهية ولايته تصريحا كان فحواه: “أن قوات البيشمرگة لن تنسحب من المناطق التي حررتها”، مما يؤكد تماماً أن اكراد العراق لم يكفوا يوماً عن المطالبة بضم مدن ومناطق متنازع عليها لم تحسم دستوريا الى إقليم كردستان العراق، إما بالتفاوض مع الحكومة العراقية أو بالقوة العسكرية والمراهنة على وجود تهديدات قائمة على تخوم هذه المناطق مثلما حصل قبل في مدينة خانقين وسنجار وكركوك تحت معيار فرض الواقع، اقليم كردستان العراق توافقت مصالحه بالاستقلال والانفصال مع طروحات تقسيم المنطقة المطروحة امريكا ودول اخرى وبوابة داعش كانت الممر.
استثمر الاكراد شعار محاربة داعش والمراهنة عليه عن طريق الاسهام في تحرير مناطق معينة ثم الاستيلاء على هذه المناطق وضمها اليهم واعادة التموضع فيها وخلق مسارات سياسية وجغرافية واجتماعية جديدة، وبالتالي المضي في مخطط الانفصال.
وهذا ما اكده موخرا رفع علم اقليم إقليم كردستان في كركوك، فرمزية رفع العلم تعبر عن الوقائع على الأرض التي تنطق بحقائق لا ينطق بها الساسة: فالأراضي التي يقول أكراد العراق أنهم حرروها من داعش هي الأراضي التي كانوا طوال السنوات الأخيرة يريدون ضمها الى إقليم كردستان العراق والتي تقع ضمن الأراضي المتنازع عليها، وعندما لم ينجحوا في ضمها عن طريق التفاوض مع السلطة المركزية في بغداد سيضموها بالاستعانة بمنطق فرض الامر الواقع، والان يميلون لاضفاء صيغة قانونية او دستورية على فرض الامر الواقع باجراء استفتاء يشمل حتى المناطق المتنازع عليها بالانفصال تحت مبررات مبدا حق تقرير المصير للشعوب النافذ في منظمة الامم المتحدة، من هنا نريد ان نحدد ماهي الجوانب الدستورية والقانونية الداخلية والدولية لاجراء الانفصال المزمع تنفيذه في ايلول القادم.
وفق الدستور العراقي فانه لم ينص في اي مادة من مواده كافة على اي اتاحة لاجراء استفتاء على مصير محافظة او اقليم بالانفصال المباشر او غير المباشر، بل اشار الدستور الى اليات اقامة الاقاليم بالنسبة للمحافظات غير المنتظمة باقليم، وعدم الاشارة هذا منطقي ويتطابق مع الوحدة السياسية والقانونية اذ لايوجد اي دستور وطني يتيح تقسيم الدولة او يجعل من اقاليم ذات حكم ذاتي او فيدرالي تقرر مصيرها وخاصة في مرحلة مابعد الحرب العاليمة الثانية.
الدستور العراقي نص في اول مادة من مواده على ان شكل الدولة عراق موحد اتحادي وكلمة ” موحد” واضحة لا لبس دستوري فيها ممكن ان يفسر لاجراء اي انفصال او استفتاء على ذلك.
كما ان اكراد العراق اسهموا في تقرير مصيرهم في دستور عام ٢٠٠٥ وصوتوا له باغلبية كاسحة ولا توجد اي ثغرات في الدستور تتيح اجراء استفتاء الانفصال، كما ان المسوغات التي تحتج بها سلطة الاقليم بالانفصال غير متوافقة مع المتطلبات الاضطرارية لاجراء هذا الامر كالحرب الاهلية والاقتتال بين الحكومة الاتحادية والاقليم، ولا تتعلق بالمشاركة السياسية وحجمها اذ ان التمثيل السياسي للاكراد في العراق يغطي استحقاقتهم الاجتماعية والانتخابية ، حتى ان سيادتهم على حدود الاقليم نافذة ولا توجد اي ممارسة سيادية للمركز في الاقليم بل لم نجد اي صلاحية دستورية معلنة بشكل منفرد للمركز في الاقليم
كما ان المنازعات بينهما لا تتعدى الحدود الادارية والواردات المالية وامور الموازنة، اضافة الى اسباب سياسية داخل الاقليم نفسه مضافا الى طموحات كردية تاريخية تتعلق بشرعية السلطة وممارستها وتداولها تدفع بجهات سياسية في الاقليم نحو الانفصال…
من حيث المبدا وفي حالة اقليم كردستان قد تتماشى مع طموحات قومية وخصوصيات ثقافية تسمح بمناقشة موضوعة تقرير المصير ولكن لابد ان يكون وفق روح الدستور الاتحادي ووفق التنسيق مع الحكومة الاتحادية ووفق السياقات السليمة التي تتماشي مع متطلبات الوضع القانوني الداخلي والدولي، فالمفروض في حالة رغبة الاقليم مناقشة الانفصال عن العراق بشكل هادئ مع المركز ليحافظ فيه على استقرار العراق ويحصن ايضا مناعة الاقليم في حال تحوله لدولة، فالرؤية الدستورية في مثل هذه الحالة تتم وفق الاتي : يصوت برلمان اقليم كردستان على الانفصال واعلان الدولة الكردية كون هذا الموضوع سيادي وجوهري يتعلق بكل شرائح واتجاهات الاقليم مضافا الى ذلك ان رئيس الاقليم مختلف حول شرعيته، فالاسلم قانونا تشريع قرار برلماني ثم احالة هذا القرار الى البرلمان الاتحادي للتصويت على هذا الاجراء واحالته الى الاستفتاء الوطني العام ويحصل على الاغلبية ولا يرفض من ثلاث محافظات عملا بمقايسة تعديل الدستور، والاصوب من ذلك هو تعديل الدستور الاتحادي وفق قرار برلمان الاقليم الى البرلمان الاتحادي وموافقته عليه باحالة طلب الانفصال بملحق دستوري يعالج حق تقرير المصير كما هو كان في المسودة الاولى لدستور ٢٠٠٥ قبل ان يعدل بالصيغة الحالية ويحال الى الاستفتاء، وينظر بنتيجة الاستفتاء وفق السياقات المذكورة بمواد تعديل الدستور وفق المادة ١٤٢.
وهذا حصل مثلا في استفتاء انفصال اسكتلندا من بريطانيا ، ومن المتوقع تقديم طلب اجراء استفتاء ثاني للاسكتلنديين وفق هذا السياق، وايضا دعوات انفصال اقليم كاتلونيا من اسبانيا جوبهت بالرفض من المحكمة الدستورية واحالت القائمين على الاستفتاء في شباط الماضي الى محكمة العدل الاسبانية وادينوا بمخالفات دستورية كون اجراءات اعلان انفصال اقليم كاتلونيا جاءت من جانب واحد ولم تتماشى مع الدستور الاسباني النافذ لعام ١٩٧١ الذي يعارض انفصال الاقليم ويركز على المفهوم الاتحادي لاسبانيا.
القانون الدولي:
اما القانون الدولي فهو يقر بمبدا حق الشعوب بتقرير مصيرها وادرج في ميثاق الامم المتحدة واهدافها اذ جاء في ميثاق الأمم المتحدة في فصله الأول البند الثاني من المادة الأولى والتي نصت على: « إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقتضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك إتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام».
لكن هذا المبدأ لم يتم ترسيخه ولم يحدد اليات تطبيقه، ومع ذلك ان احترام الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي العام لمفردة السيادة مقدم على مبدا تقرير المصير، وهذا ماتنص عليه اغلب المعاهدات والاتفاقيات الدولية الجماعية والثنائية الناظمة للعلاقات الدولية والاقليمية والمصادق عليها في الامانة العامة للامم المتحدة.
فالمعروف أن القاعدة المؤسِّسة للقانون الدولي إنما تقوم على مبدأ سيادة الدولة، التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة واعترافه بالحق الحصري للدول بفرض سلطتها وممارستها صلاحياتها على أراضيها وسكانها، ويبدو ان الوارد عن حق تقرير المصير في ميثاق الامم المتحدة يعالج حالات الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني المناهضة له ولا يتعدى دعم انفصال او انشطار جهة او جماعة من دولة موحدة ذات سيادة نتيجة خلافات سياسية واقتصادية اطلاقا .
غير أن مبدأ السيادة تعرض للكثير من التحديات بسبب المطالب المتصاعدة بإدراج قوانين حقوق الإنسان ضمن النظرة الشاملة للقانون الدولي. ويعني ذلك بالدرجة الأولى أنه لا يمكن التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأن على القانون الدولي أن يهتم بها أكثر حتى لا يتستر المنتهكون وراء الحصانة التي يوفرها لهم مبدأ سيادة الدولة، وهذا مايعد ثغرة تستطيع من خلالها الشعوب والقوميات والمكونات والاقليات ان تعتدّ به للمطالبة بالاستقلال او الحكم الذاتي. ولكن في هذه الحالة يتم تبرير منطق التدخل لإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان على السيادة مما يعرض الجهة الطالبة للانفصال لارتهان مبدأ السيادة الساعية اليه .
اذ في كل الحالات الواردة في المجتمع للدولي التي بررت الانفصال للشعوب والقوميات مورس بحقها مبدأ التدخل والوصاية الدولية بطريقة دائمة ، بدون ان تسترشد القوى الدولية النافذة والداعمة في ذلك بمبادئ العدالة والقانون الدولي. اذ حول مبررات التدخل ومنح الاستقلال من ضرورات حقوق الانسان وحقن الدماء الى الاحتجاج المدفوع باعتبارات الصراع السياسي، ولا علاقة له بحماية حقوق الأقليات وغيرها من التصورات المثالية.
ومع الأسف تطغى المقاربة الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، والنظرة التمييزية في الاهتمام بحقوق الإنسان على أي اعتبارات أخرى وهذه الحالة حصلت في كوسوفو عام ٢٠٠٨، اذ لخص سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا هذه الانتقائية وقارن بين كوسوفو وفلسطين وسأل مجموعة الثماني في وقتها : “لماذا هذه السرعة في منح كوسوفو الاستقلال بينما فشلتم طيلة الأربعين عاماً الأخيرة في دعم استقلال الفلسطينيين ؟”.
ويمكن الجزم ان القانون الدولي يتضمن اشكالية ثنائية هما دعم حق سيادة ووحدة الدول بما لا لبس فيه وهي حالة داخلية، وحق تقرير المصير للامم والشعوب وهي حالة خارجية مغايرة، لكن كل القرارات الصادرة عن الامم المتحدة حول حق تقرير المصير تعالج حالات تصفية الاستعمار والمستعمرات وترقيتها مما يؤكد ان حق تقرير المصير قد انتهى العمل به؛ لان فقد السبب يقتضي انتهاء المسبب ، وعلى العكس لايمكن انتهاء حق الدول في الحفاظ على سيادتها ووحدة اراضيها لانه حق ثابت مستقر لا يزول الا بزوال الدولة ذاتها.
وهذا ينسحب على اقليم كردستان العراق فالاحتجاج بمبادى القانون الدولي منقوص بل منعدم الاصل ولا تخريجة له ، وحتى في سياق السوابق التاريخية لم نجد حالة تشكل اعمالا للنفاذ.
اما على صعيد التكييف الدستوري الداخلي لاجراء الاستفتاء فمحسوم دستوريا وواقعيا فهو ليس موضع خلاف بل مخالفة دستورية وقانونية تهدد استقرار الدولة، وتجعل انفصال الاقليم حالة شاذة تعيب على الدستور والعملية السياسية برمتها فلا مهيئات وملائمات تعزز هذا الاجراء رغم ان ظروف عام ١٩٩١ كانت انسب بكثير لاعلان مثل هذه الخطوة رغم انها محفوفة بمخاطر اقليمية رادعة مستمرة الى الان وترفض الانفصال الكردي عن العراق .
ولابد ان تتحرك الحكومة وفق سياقات قضائية وتحتج عند المحكمة الاتحادية، ولابد ان ياخذ القضاء دوره كما حصل في كندا، اذ ارادت الحكومة الكندية اعلان استقلال اقليم كيبيك انسياقا لحركة انفصالية تريد اعلان الفرنكفونية، واعلنت المحكمة ان الحكومة لاتملك هذا الحق وهي ملزمة بالتقيد بالحفاظ على وحدة اراضي كندا وانه لايجوز تطبيق حق تقرير المصير على حالة كيبيك وبررت ذلك بعدم تضمن القانون الدولي مايسمى حق فصيلة من الشعب في الانفصال عن وطنها بارادتها الفردية.
اما استحضار حالة عرض نزاع اعلان الانفصال على الامم المتحدة فتتمثل بحالة المغرب والصحراء الغربية، فقد جنحت الامم المتحدة في حل مشكلة الصحراء بالحكم لصالح المغرب واقتضت الحفاظ على وحدة التراب الوطني وبقاء الصحراء المغربية تحت سيادة المغرب ، مستندة الى انسجام الحكم مع القانون الدولي واستبعاد تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها على ظاهرة نزعة الانفصال لان القانون الدولي يرفض هذا الخيار.
يبقى ان نقول ان من اهم عناصر الدولة المعاصرة ليست فقط الارض والشعب والحكومة انما كذلك السيادة والاعتراف، فهل ستمتلك الدولة الكردية المنتظرة حق السيادة الكاملة على اراضيها، وهل ستحصل على الاعتراف الاقليمي والدولي؟؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق