الرئيسية

باقر جبر الزبيدي: “الحياد غير المنتج” في الازمة بين قطر والسعودية ؟

خاص / المدار / بغداد
 باقر جبر الزبيدي
ليس لنا الا ان نكون في قلب الازمة الراهنة بين السعودية ومن معها وبين قطر لان “حيادنا” الحالي غير منتج فيما يفرض الحياد الايجابي التاثير في القضايا الكبرى« والا لو كان الحياد بالصيغة التي نتحرك عليها حاليا ازاء ازمة الخليج مفيدا ومنتجا لما تشكلت في الستينات حركة عدم الانحياز التي اسسها ثلاثة من ابرز رجال السياسة الدولية واكبر الرموز في العالم الثالث عبد الناصر وتيتو وجواهر لال نهرو..ان عدم الانحياز حركة وانتاج مواقف ومصالح كبرى وليس وقوفا على التل ومايجري وقوف على التلال!.
في اذار 1991 واثر معطيات انتفاضة الوسط والجنوب تشكل وفد عراقي انطلق من دمشق لزيارة المملكة العربية السعودية ضم انذاك جلال الطالباني وفخري كريم ومهدي العبيدي وانا، وكنا نمثل اطيافا في التيار السياسي للمعارضة العراقية الكردية والعربية الديموقراطية والقومية والتقينا في الرياض عشيتها بمجموعة من الشخصيات السياسية والامنية في المملكة وكان من المفترض لقاء الملك فهد لدعم الانتفاضة وفتح مسارب حقيقية لها في العالم العربي والعواصم العربية الكبرى.
المهم في الامر اننا التقينا شخصية امنية سعودية اسمه اللواء محمد العتيبي، عين لاحقا سفيرا للسعودية في الباكستان، للاشراف على دعم المجموعات المسلحة في افغانستان ومنها الجبهة الاسلامية العالمية التي عرفت لاحقا بالقاعدة، وقد نبهنا حيث وصل التنبيه اللون الاحمر بالتاكيد على ضرورة عدم فتح القنوات الدبلوماسية والسياسية مع قطر ورهن التعاون مع الرياض بضرورة عدم التهاون مع الدوحة!.
لم نلتفت وقتها لمستوى التحذير السعودي لاننا كنا مشغولين بدعم الانتفاضة ومحاولة احياء قيمها السياسية الوطنية وقواعدها الشعبية التي حررت خلال فترة وجيزة 14 مدينة ومحافظة عراقية ومشروعها الوطني واستمراره في مواجهة النظام الذي استطاع كبحها وتقليصها والاجهاز عليها بقوة في مناطق الجنوب والوسط.
بقي التحذير السعودي هذا في ذاكرتي طيلة الفترات التي كانت العلاقة القطرية السعودية تمر بفترات جفاف وتباعد وجفوة وكان السبب في اعتقادي حيث زرت الدوحة للمشاركة في برنامج ” الاتجاه المعاكس” نهاية التسعينات الوجه الجديد لقطر من بين الدول الخليجية التي كانت تقيم علاقات حذرة مع الرياض لاسباب منها روح الوصاية القبلية التي تهيمن على امراء العائلة المالكة في السعودية، باستثناء قطر التي اخرجت نفسها من محور الوصاية باستضافة القوات الامريكية في قاعدة العديد واتفاقات التعاون الامني والعسكري مع واشنطن بما يحقق لها استقرارا امنيا مهما وابتعادا عن محور الوصاية الذي تريده اميركا لها بعد التحولات الكبيرة التي جرت في 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وظهور رجال المملكة على متن الطائرة المغيرة على برج التجارة في مانهاتن مادفع قطر الى التحرك لاعلان وصايتها على الرياض وتحين الفرصة لاسقاط نظامها وهو ماظهر على لسان حمد بن خليفة في اتصال هاتفي مع العقيد معمر القذافي!.
مايهمنا في الازمة الحالية امران:
الأول: هو الافادة القصوى من الازمة عبر الغاء من منطقة الحياد الذي تتحرك على قاطرته الدولة العراقية وهو ماظهر من تصريحات للرئاسات المختلفة عبر فهم معين لمعنى الحياد في تلك الازمة ولا اجد بلدا قريبا على دولة قطر غير العراق لايصال الغاز القطري الى اوربا بعد انحسار ظل التعاون الاقتصادي بين الامارات وقطر وبينها وبين المملكة العربية السعودية والنزول في السوق القطرية وتعزيز مجالات التعاون المختلفة واظهار كل الشروط القادرة على تاهيل وتنمية العلاقات الاسترتايجية بين العراق وقطر لا ان نعلن موقف الحياد الذي نحن عليه اليوم وهو حياد سلبي على اقل التقادير لانه حياد غير منتج حيث همش دور العراق لجهة استثمار الازمة وتحقيق قدر عال من التميز لجهة تطوير المصالح الوطنية وحل مشكلة العاطلين عن العمل وتصحيح مسار العلاقات العراقية الخليجية التي توترت بعد سقوط النظام البائد وتعثرت قبل انتخاب حكومة وطنية بالانتخابات خارج سيطرة قوات التحالف الدولي وخروج العراق من وصاية البند السابع!.
الثاني: هو التحرك على المصالح الوطنية العراقية نظير التحرك المصري على الازمة..لقد خرج السيسي من القاهرة ومن اقصى شمال افريقيا الى المياه الساخنة في الخليج ليعلن عن وقوفه الى جانب المملكة العربية السعودية وهي الدولة التي لطالما كانت متهمة من قبل الدولة المصرية برئاسة السيسي التدخل في الشؤون الداخلية المصرية!.
لدي معلومات ان اغلب التفجيرات التي استهدفت الكنائس المصرية والاقباط المصريين كانت تاتي الاوامر فيها من الخليج ومن منظمات ارهابية تابعة لرؤوس اموال خليجية سابقا، لكن السيسي والمخابرات المصرية تكتمت على تلك المعلومات لعلم القاهرة ان السعودية يمكن الافادة منها في مرحلة لاحقة على اساس استثمار خلافاتها السرية مع نظيراتها الخليجيات وبالفعل حدث الذي كانت القاهرة تتوقعه وحدثت الازمة وصارت القاهرة تغرف من الابار السعودية ومخازن المال الاماراتي من الان الى ماشاء الله حتى يرث السيسي الخليج ومن عليه!.
لابد من استثمار الازمة عراقيا واظن ان مايملكه العراق من ادوات وتاثير في فضاء الازمة الحالية اضعاف مايملكه السيسي والقاهرة وعواصم اخرى وماحدث في “البوسطة القبطية” التي قتل فيها 50 مسيحيا نملك اضعافه في اطار النقاش الامني بينا وبين نظيراتنا الخليجيات لنفس الاسباب والخلفيات لكننا للاسف الشديد لانملك “حكمة” التحرك على الخليج غير الحديث “الانشائي” عن الحياد الايجابي وهو في حقيقته حياد سلبي غير منتج!.
لقد بدات مليارات الدولارات السعودية والاماراتية تنهال على البنك المركزي المصري بلا شروط في مواجهة قطر فيما حيادنا الايجابي يعاني فيه العراق من كلف العمليات العسكرية في جبهات القتال بينما المصريون بداوا استثمار تلك الاموال في احياء قوة الجنيه المصري وتحريك عجلة الانتاج البحري في قناة السويس وبناء المجمعات السكنية المهمة لمعالجة ازمة السكن!.
كل ذلك جرى ببركة الخلاف مع قطر وليس ببركة المال السعودي!.
ايران استثمرت الازمة بقوة عبر احتضان الطائرات القطرية وفتح ثلاث موانىء لاستقبال مايصل من تعاقدات اقتصادية قطرية مع العالم وتوقيع اكثر من عشر اتفاقات معها بما فيها اتفاقية دفاع مشترك مع الدوحة وهكذا فعلت تركيا والمانيا عبر التعاون مع قطر في التواصل الامني باستقبال الملفات الامنية المختلف عليها مع الدول الخليجية بتسليم مالديها الى الاستخبارات الالمانية وهو غيض من فيض الاستثمار الالماني مع الدوحة وانا واثق ان هذا الملف سيفضي الى استثمارات المانية وتعاقدات مع الدولة الخليجية مايعزز دور قطر ويقوي شوكتها في الازمة ولايقوض مكانتها كما تتصور الرياض ودبي والمنامة والقاهرة.
في المقابل “وانا هنا اتحدث كوني وزير مالية سابق” رفضت السعودية اطفاء الديون المستحقة على العراق ايام الحرب العراقية الايرانية ووضعت في هذا الاطار شروطا قاسية لم نستطع في حينها اسقاط تلك الديون اضافة الى انها سيطرت على الانبوب النفطي العراقي الذي بناه العراق في الثمانينات” التاب لاين” ويصل البصرة بميناء ينبع على البحر الاحمر وكلف اكثر مليار و500مليون دولار وعطلته ولم يستفد العراق في حينه من هذا الممر النفطي الهام اما الملاحظة المهمة الاخرى ان الديون السعودية على العراق ليست بالتقديرات التي تعلنها الرياض 20 مليار دولار ويمكن تسويتها عبر نادي باريس الى 800 مليون دولار لكن الرياض لم تستجب ولازال البحث العراقي السعودي جار لاطفاء تلك الديون.
واقعيا يمكن استثمار الازمة سعوديا عبر الضغط عليها في ملفات مهمة مثل حرب اليمن ووقف دعم المنظمات الارهابية في العراق واشخاص وتحالفات طائفية تضر بالمصالح الوطنية العليا كما الاضرار بالمصالح القومية في سوريا والعراق.
لابد من قرار عراقي باتفاق الرئاسات الثلاث والقوى الوطنية بالتعاطي مع الخلاف القطري الخليجي بما يسهم عراقيا في تطوير المصالح واستثمار الموارد المشتركة ويجب ان يحسم هذا الخلاف ايجابيا لصالحنا واطفاء جوهر الارهاب الذي يتاجج بالمال الخليجي ولن يطفئه الا الاستثمار الامثل بالواقعيات السياسية والحكمة الوطنية.
الازمة بوابة لتصحيح بنية العلاقات الخليجية العراقية المتعثرة ولايمكن النهوض بالدور والمكانة الا بتصحيح رؤيتنا ازاء فهمنا للحياد في منطقة لطاما عرفت بالتاجيج والانقلابات السياسية العسكرية وربما كان قول نزار قباني دقيقا في توصيف الحال القطري السعودي حين قال في احدى قصائده
لاتوجد منطقة وسطى مابين الجنة والنار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق