الرئيسية

ماذا حقق العبادي من زيارته للخليج ؟

خاص / المدار / بغداد 
د. محمد صادق الهاشمي
مع ما أعلنه السّيّد العباديّ والمقرّبين منه عن نتائج هذه الزّيارة وأهمّيتها وأبعادها وأثرها على مستقبل العملية السّياسيّة في العراق، وهو إعلانٌ مقاربٌ للواقع، أو يكادُ يقترب منه، إلّا أنّ هناك مساحاتٍ، لم يسلّطِ الضّوءُ عليها، فلا بدّ من النّقاش فيها، وهي:
(أوّلاً): أنّ الزّيارة – حسب ماتحدّثت به الصّحف المحلية والإقليمية – قد أعادت العراق إلى سابق عهده، وأرجعته لسيرته الأولى ومكانته الإقليمية, ومن المؤكّد أنْ تليها سيرته الدّولية, ومن الطّبيعيّ أنْ يتحققَ هذا التّوصيفُ الإعلاميّ العالميّ, والذي جاء أيضا على لسان السّيّد العباديّ حينما قال: «العراقُ ليس كالأمس … العراقُ اليوم يعود إلى مكانته الحقيقية بين الدّول», بالقياس إلى علاقات العراق مع المحيط الخليجيّ والعربيّ بنحوٍ خاصٍّ قبل وبعد تلك الزّيارة, وتلك رسالة واضحة، فإنّ العباديّ على المستوى الدّاخليّ يريد أنْ يتحدّث عن منجزٍ باسمه, أو باسم حزبه، أو عن مرحلةِ حُكمه, فإنّه إنجازٌ يمكن توظيفه على جمع الأصعدة ,وفي جميع الاتجاهات، خصوصا في قادم الأيام في معركة الانتخابات، ففيها {يَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال : 42].
نعم بعيدا عن الاتهامات والتّجاذبات والمدح والهجاء يهمّنا العراق, والعراق فعلا عاد إلى سيرته الأولى، وأنّ تلك الزّيارة فتحت آفاقاً لها أبعادها وآثارها، إنْ تمكّن أبناء الدّاخل، وقواهم السّياسيّة استثمارها والابتعاد عن فكرة اسقاطِها، لا لشيء إلّا لشيء واحدٍ، وهو حتّى لا تسجّل منجزاً للعباديّ، أو حزبه، وكلّ له منطلقاته البعيدة عن العراق، والدّولة، والعمليّة السّياسيّة, وربّما يضاف إليها بعداً مذهبيّاً.
(ثانياً). إنّ الزّيارة أنهت مقولةَ أنّ الخليج، وعلى رأسه السّعودية, لايأتي عليه يومٌ أنّه يؤمن بالعراق الذي يتسنمّ فيه الشّيعة مناصب مهمّة وحسّاسة، أسوة بإخوتهم من أهل السّنّة والكرد, ولايخجل الخليج في ما سبق من إعلان قطيعة العراق لهذا السّبب , واستمرّ الحالُ منذ عام 2003 إلى حين تمّت زيارة العباديّ, وهي أوّل زيارة من نوعها في جميع الأبعاد، بما فيها الاهتمام والبروتكولات، واللّجان التّنسيقيّة، والمواضيع التي ستناقش لاحقاً، والتي تمّ الاتفاق عليها في جميع المجالات والقطّاعات, ممّا يعني أنّ السّعودية التي هي مركز القرار والتّعقيد الخليجيّ في التّعامل مع شيعة العراق, وهي المصدر الأساس لصناعة السّياسة الخليجيّة، وتحديد الآليات، والمحددات والمخرجات في التّعامل, وهي التي فرضت عليه الحصار السّياسيّ، وفتحت أبواب الجحيم عليه, وامتنعت من دعم العراق، وأنْ تحضر أيّ مؤتمر إقليميّ – عربيّ لصالح العراق، بما فيه مؤتمر القمّة الذي عُقد في العراق, وهذا يعني أنّ السّعودية – في هذه المرحلة ومن خلال استقبالها السّيّد العباديّ – قد غادرت تلك العقد التّاريخيّة، وآمنت ببرغماتية عالية بالعراق الثلاثيّ الأبعاد (الشّيعيّ – السّنيّ – الكرديّ)، وانتهت مقولةُ القطيعة للعراق لسبب أنّ الحكّام شيعة , بل الآن لاحت آفاق مقولة التّعامل مع العراق العربيّ، وتكادُ تغادر السّعوديّةُ بليبراليةٍ عاليةٍ مرحلةَ التّعامل الطّائفيّ في العلاقات الإقليمية؛ لأنّ هذا التّوجّهَ الجديد يقرّبها من الوضع الدّوليّ.
(ثالثاً).أنّه لا يمكن تصوّر الزّيارة على أنّها تمّت لمناقشة آفاق وملفّات اقتصاديّةٍ وسياحيّةٍ واستثماريّةٍ وغيرها، دون أنْ تمسّ الأمر الجوهريّ في مستقبل العراق، ووجوده، وأمنه واستقراره، ألا وهو مناقشة الملفّ الأمنيّ ومواجهة الإرهاب, فهل يعقل أنْ تقام علاقةٌ مع دولة ترسل الإرهاب، وتؤمن به كأحد مرتكزات ايدولوجيتها في العلاقات الخارجيّة معها علانية , وبنفس الوقت نطوّر معها ملفّ الاقتصاد، ونهمل الملفّ الأساس؟ كيف تستقيم هكذا علاقة!؟.
ومن هنا يأتي الكلام واضحاً لاريب فيه، ولا يخضع لأدنى تأويل أنّ الملفّ الأوّل الذي ناقشه السّيّد العباديّ – بناء على التّسريبات المؤكّدة – هو موضوع إنهاء ملفّ الإرهاب وبوضوح، ومن المعلوم أنّ هذا النّقاش له لوزامٌ متعددةٌ؛ لأنّ تعريف الإرهاب من الجانبين مختلفٌ.
وليس ما فعله السّيّد العباديّ بدعاً من حركة التّاريخ السّياسيّ والأعراف الدّولية في أنْ يتفاوض وأنْ يتفاهم ويتحاور مع الدّولة التي له معها ملفّاتٌ ساخنةٌ متوترةٌ لإيجاد مخارج للسّلم, سيّما أنّه أدرك المتغيّرات واستثمرها, أدرك أنّ السّعوديّة أقرب للاستجابة في ظلِّ المتغيّرات في المنطقة في سوريّة والعراق، سيّما أنّ ملفّ داعش على وشك أنْ ينتهي، وهذا الذي يشير إليه العباديّ بقوله: «سيلمس العراقيون نتائج جولتنا الإقليمية مستقبلاً، خصوصا في مجال محاربة الإرهاب، ومنهجنا القضاء على الإرهاب وليس استيعابه».
(رابعاً).إنّ السّيّد العباديّ بتلك الزّيارة كان مُدركاً للمتغيّرات الدّوليّة والإقليميّة, والتي تُلقي بظلالها، وآثارها على مستقبل المنطقة, فلابدّ للعراق – كدولة تعيش في خضمّ الحدث سياسيّاً وعسكريّاً وجغرافيّاً- أنْ يختار طريقه، ويرسم حدوده السّياسيّة، ويعرف موقعه، ونقطة التّموضع المهمّة له, ويحرص على تحقيق مستقبله, ما أمكنه إلى هذا الأمر سبيلا .
ومن الجدير بالذّكر في هذه المرحلة التي خرج فيها الضّعفاء أو كادوا ان يخرجوا, وانتصر الأقوياء أو كادوا , وترسّمت حدودٌ افتراضية, ففي الشّمال الأكراد من العراق إلى سوريّة، ومن السّليمانية إلى أربيل والقامشليّ والحسكة وعين العرب وكوباني وغيرها تبحث عن موقعٍ جديدٍ، أو تحاول ذلك. وفي الشّرق السّوريّ والغرب العراقيّ يُطبقُ الأمريكان وجودهم العسكريّ على بعض أجزاء الموصل ودير الزّور والرّقة والبادية . وفي السّواحل الممتدة بين سوريّة والأردن والشّريط الحدوديّ مع الجولان يفرض المحور القطريّ وجوده من خلال جبهة النّصرة، والتي تتراجع لصالح روسيّا.
فالمهمّ أنّ المنطقة مقبلة على ولادات ومتغيّرات عدّة فلابدّ للعراق من حضور إقليميّ فاعلٍ، ولابدّ له من أنْ يسهم في رسم مستقبله، ويحدد موقعه بنفسه , وهذه مهمّته أوّلا وآخرا , وليس مهمّة غيره، ولكن كما قال العباديّ: «إنّ تلك العلاقات من موقع القوّة وليس من موقع الضّعف»، لأنه في مقام الحوار الذي يلي الحرب سيجلس – بفعل دماء الشّهداء، وما أنجزته القوّات المسلّحة بكلّ أسمائها وعناوينها – مع المنتصرين لا الخاسرين, لذا قال العباديّ: «زيارتنا إلى المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلاميّة ودولة الكويت جاءت من موقع قوّة واقتدار، وهناك إعجاب بالعراق من قبل هذه الدّول». وقال أيضاً: «هناك تفهّم وإسناد لدور العراق الجديد، وهو ليس تفضّلا، بل جاء من تضحيات العراقيين، ووحدتهم في محاربة الإرهاب».
(خامساً). كما أنّ الشّيء الذي يعتبر رصيداً هامّاً في حوار العباديّ مع الخليج هو وحدة الشّعب العراقيّ ضدّ الإرهاب، برؤيةٍ واحدةٍ، وقراءةٍ واحدةٍ، وتعريفٍ واحدٍ، فداعش لم تجد لها حواضنَ معتدّاً بها، ولا شريحةً تناصرُها، ولافريقاً سياسيّاً يجاهر بالوقوف إلى جانبها , وهذا ما جعل العباديّ ينطلقُ من رصيدٍ جهاديٍّ واجتماعيٍّ موحّدٍ في موقفه من الإرهاب، وله قواسمُ مشتركةٌ، وأسسٌ وثوابتٌ اجتماعيّةٌ تمنحه القوّة في الدّفاع عن شعبه ضدّ الإرهاب, فقد كان الخليج يراهن على المجتمع السّني في العراق وسوريّة بأنْ يناصر داعش, إلّا أنّ ورقتهم أُسقطت من أيديهم، فضلاً عن سقوط أوراقٍ عديدةٍ , فلم يبقَ إلّا أنْ يؤمنوا بتغيير علاقتهم مع العراق؛ لأنّه لا سبيل غير هذا السّبيل، ولا بديل غير هذا البديل، وهذا ما أشار إليه السّيّد العباديّ بقوله: «العالم مستغربٌ من وقفةِ العراقيين وتوحّدهم جميعاً في محاربةِ الإرهاب». وقال أيضاً: «وحدتنا وقوّتنا في مواجهة الإرهاب سنعتمد عليها في عمليّة التّنمية بعد مرحلة داعش», وأكّد: «أنّ هذه الزّيارة لها انعكاساتٌ مهمّةٌ على علاقة المكوّن السّنيّ العراقيّ مع العملية السّيّاسية إيجابياً .
(سادساً). كما أنّ للزّيارة آثاراً على العراق والدّولة العراقيّة والعملية السّياسيّة, فإن الزّيارة لها تداعياتٌ وآثار لايمكن تجاهلها على مستقبل شخص العباديّ:
(الأول): مستقبله السّياسيّ، فهو بإعادة العراق إلى الصّفّ العربيّ بهذه القوّة، وإعادة الخليج إلى العراق طائعا ومتخلّياً عن أبرز عقده ومعتقداته وايدولوجياته لايمكن أنْ يتجاوزه المستقبلُ ولا التّاريخ.
(الثاني): إنّ تلك الزّيارة أعطت الخطّ الذي يؤمن بالحوار مع الخليج هويةً ووضوحاً ووجوداً وإعلاناً وتجاوزاً مرحلة الكواليس، وسوف تناصر العباديّ الكثيرُ من القوى السّياسيّة للسير في هذا الإتجاه السّياسيّ من الإيمان بـ (الحوار والإبتعاد عن المحاور)، ولكن من خلال الدّولة والحكومة والمؤسسات الرّسميّة, وتلك التّوجّهات سوف تلقي ظلالها على مستقبل العمليّة السّياسيّة، وعلى تشكيل الحكومة، وعلى نوعيّة الحكومة بعد انتخابات عام 2018 , فإنّ الرّكائز التي وضعها العباديّ ستدخل كمحددات وأسس وشرائط في تحديد واختيار الحكومة المقبلة، سيّما أنّ لها أرضيات، وأبرز تلك تلك الأرضيات هو أنّ هذا التّقارب والحوار والعلاقات التي تنتجها الزّيارة لا تتعارض مع الأسس الدّولية والإقليمة، ولا يمكن افتراض أنّ ايران خارج تلك العلاقات،
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق