الرئيسية

مقاربات سياسية للمناطق المحررة ما بعد هزيمة داعش

خاص / المدار /  بغداد
د. أحمد الميالي
العراقيون أدركوا وخصوصا ابناء المكون السني بعد انطلاق عملية تحرير الموصل وبعد تحرير الفلوجة وقبلها الرمادي وتكريت، أن داعش ومن يدعمهم او يراهن عليهم ، هم قوة شريرة، ستؤدي حتماً لتشويه مبادئ اديانهم وقيمهم وبلدهم ووحدتهم ، وتحقق فشلاً ذريعاً في حياتهم العامة، قد يميل البعض للإشاحة بوجوههم بعيداً عن مشهد وجود داعش الكارثي في المناطق التي سيطر عليها ولكن ذلك سيكون خطأً، لأن هناك دروساً سياسية يجب ان نعلمها من خلال عملية تحرير الموصل التي تقترب من الحسم الان.
وعلى الرغم من أن تلك الدروس مؤلمة وصعبة إلا أن العراقيين يجب أن يحيطوا بها علماً، سواء من أجل الاستعداد لمرحلة مابعد داعش أو من أجل مستقبل العراق السياسي برمته:
أولا: اهم الدروس هو أن الساسة السنة الذين عارضوا تحرير الموصل والمناطق السنية الاخرى يفتقرون إلى رسالة إيجابية، ويؤدون عادة امام ناخبيهم ادوار سياسية سلبية ولكنهم تحولوا بمرور الوقت إلى ساسة يمارسون نوعاً من الطهارة الايديولجية التي تهتم بالقول أكثر من الفعل مما يظهرهم بمظهر الساسة الذين لا يمتلكون مؤهلات التمثيل السياسي القوي في مواجهة التحديات، ما سيؤدي إلى حرمانهم من تأييد الكثير من المؤيدين لهم سابقا.
ثانيا: ان الساسة الكرد وخصوصا جناج مسعود بارزاني سيعملون بقوة على توظيف عملية التحرير للحصول على مزيد من الاراضي من الموصل لضمها لسلطة الاقليم لتحسين وضع الحزب الديمقراطي سياسيا وامنيا في مواجهة بغداد والمنافسين الكرد ايضا، وطرح مسعود بارزاني موضوعة الاستفتاء على انفصال الاقليم تعد واحدة من اهم انعكاسات عملية تحرير الموصل وتحديدا بعد وصول قوات الحشد الشعبي لباب سنجار والتوجه نحو قضاء تلعفر والحدود العراقية مع سوريا.
وهذا سيعزز سياسات الكرد في استغلال مآسي العرب السنه والتركمان والشبك في الموصل والمناطق المتنازع عليها، وقد ادرك الكثير من سكان هذه المناطق وخاصة في سنجار وسهل نينوى وغيرهم هذه الحقيقة.
ثالثا: أن السجالات الصاخبة حول القضايا الاجتماعية كاعادة النازحين واعمار المدن ستخضع لمنطق المقاولات السياسية الطويلة، وفي رأيي أن اتباع مقاربة أكثر إيجابية لـلقضايا الاجتماعية هي التي ستؤدي إلى زيادة جاذبية تلك القضايا بالنسبة لاهل الموصل تجاه ساستهم وهذا موضوع سيكون شائك.
رابعا: سنواجه خطرا اخر وهو الخطر المتمثل في شيطنة الحكومة برمتها، ويكمن في أن هذه الشيطنة تُمّكن المتصيدين بالماء العكر وأصحاب الأصوات الزاعقة، لصرف الاهتمام عن دعم المشاريع الحكومية والدولية، التي ينتظرها اهل الموصل لكن بالنسبة لهؤلاء ما الفائدة إذن من وضع أجندة إصلاح جادة؟ ، ففي نهاية المطاف، لا يحقق جَلد الحكومة شيئاً، لهؤلاء الذين يطلبون من الجمهور أن يثق بقدرتهم على جعل الحكومة لاتعمل على نحو أفضل من اجل الالتفاف على المنح الدولية او اعادة الاعمار وبقية الملفات المربحة التي يبغون ان تكون عن طريقهم.
خامسا: لقد اتضح أن هؤلاء الساسة يجب أن يعرفوا ما هي الصفات التي تجعل منهم مقبولين من قبل قواعدهم مثلاً، يتبجح البعض منهم بأن قاعدتهم لا تحتاج لمزيد من التعريف ولايمكن ان تخذلهم لان صوتهم الطائفي والقومي عالٍ جدا، وهذا ماحصل بمؤتمرات الساسة السنة في الخارج اخرها في تركيا، ولكن برأيي هذا التصور ليس كافي للفوز في الانتخابات واعادة الثقة بهم لاحقا، وأن الناخبين فيها كافة يهتمون بالمقترحات الجادة التي يقدمها ممثليهم المحليين ومن دافع عنهم وكان بقربهم، وأنه عندما تحدث انتكاسة حقيقية فإن الناخبين ومهما بلغ بهم الغضب جراء ذلك يريدون أن يكون مرشحهم شخصاً يعرفون هم جيداً أنه يعرف ما يتحدث عنه.
أما العدمية والطائفية والمشاكسة فلا تقدم سوى رسالة بالغة الرداءة في جميع الأحوال فانها لن تنتج الا داعش ومثيلاتها، ولهذا كبديل سيتم طرح مستقبل الموصل والانبار والفلوجة وتكريت وبقية المناطق المحررة سياسيا من قبل هؤلاء عبر الحديث عن الاقليم السني او حتى الدولة السنية او كونفدرالية مع -اربيل بارزاني – كورقة ضغط لاعادة تجميل صورتهم امام ناخبيهم، وهذا ماحصل في المؤتمرات الخارجية التي ناقشت مستقبل السنة في العراق.
سادسا: ادرك العراقيين بعد انطلاق عملية تحرير الموصل ووشوكها على الانتهاء: انه لايمكن تجاهل المنافذ الإعلامية التي يحصل معظم المواطنين على الأخبار منها، ساسة المناطق المحررة والمحتلة مثلوا خطأ جسيماً. والشخص الخبير بالإعلام وكيفية التعامل معه يجب أن يكون لديه بعض الدينامكية، والقدرة على لفت الانتباه، ولكن إذا سار هؤلاء في طريق استثمار خطاب طائفي قومي تقسيمي في المنافذ الاعلامية الداخلية والخارجية الذي سار فيه اغلبهم، عن طريق لفت الأنظار من خلال الثرثرة الفاضحة والتحيزات الفجة، فعليهم أن يتوقعوا رؤية كابوس سياسي و انتخابي تتكشف تفاصيله تدريجياً، تتحول فيه كل مقابلة مع وسائل الإعلام او مؤتمر خارجي إلى كارثة ذات تداعيات سياسية.
وربما يكون الدرس الختامي مع ذلك هو ان الحاجة لساسة ولقيادات سياسية جديدة في المناطق المحررة تختلف اختلافاً جذرياً عما هو قائم حالياً: فهم بحاجة الى كفاءات وقيادات وطنية يهتمون بحماية المثل والنزاهة الفكرية للمواطنين وللوحدة الوطنية بشكل عام.
انا مع رؤية لاتجعلنا فقط بحاجة ماسة لمبالغ مالية ومساعدات للموصل إلا في إطار بعض البنى التحتية واغاثة النازحين، أما إعادة البناء الاجتماعي والسياسي والامني، فتاريخيا الموصل تعيد بناء نفسها، لانها سريعة النمو حضريا، فقط تحتاج لمقاربات اجتماعية سياسية أمنية اقتصادية وثقافية بالدرجة الأساس تجعل منها في قلب القرار وتحمل المسؤولية كجزأ أساس من كتابة تاريخ العراق السياسي الحاضر والمستقبل وهذه المقاربات هي من اختصاص الحكومة الاتحادية حصرا..

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق