الرئيسية

الرأي العام في العراق… عقبات لا بد من تجاوزها

بغداد / خاص / الباحث د. أحمد الميالي
يثار تساؤل مفاده : هل يوجد رأي عام في العراق له علاقة بتشكيل السياسة العامة وتوجيه المطالب وتضمنيها في البرامج الحكومية ؟
قبل الاجابة عن هذا التساؤل علينا ان نقر ان وجود الرأي العام يقترن بتاثيره على السياسات العامة من خلال المطالب ومتابعة برامج الحكومات ومدى مطابقتها لمصالح المجتمع. كما يتوجب لتكوين رأي عام نابه ان تكون هنالك سلطة منظمة تنظم مطالب الرأي العام وتستجيب له، ومن اللازم وجود نوع من التجانس الاجتماعي الذي يمثل مفهوم الامة وذلك بالضد من الانقسامات السياسية والدينية والعرقية ..
ذلك ان اي رأي عام لايمكن ان يأخذ شرعيته باعتباره رأياً عاما مالم يحقق مقتضيات المصلحة العامة التي تتمثل بالهوية الوطنية الواحدة والجامعة للكل..و يجب ان يكون للاقلية حرية التعبير عن الرأي فلا مبرر لان يمثل رأي ومصالح الاغلبية دون الاقليات الاخرى.
ويجب ان تتوفر بيئة اساسية ومجال وفضاء لتكوين الرأي العام وهذه البيئة يحددها دوغلاس كلنر : بمجموعة مؤسسات واماكن عمومية تقف بين المجتمع المدني والدولة وتمارس الوساطة بين المصالح العامة والمصالح الخاصة. وهو يتكون من الصالونات الادبية والثقافية بالاضافة الى الاماكن المشتركة التي تجعل امكانية قيام رأي عام يعارض او يتابع سلطة الدولة وبرامجها.
وتلعب المعارضة البناءة دور الثيمة الاساسية في الرأي العام ولاسيما حينما تظهر كمطالب تجاه النظام السياسي وسلطاته من اجل تعديل نتائج السياسة العامة والحكومية لكي تكون ملائمة للمصلحة العامة.
الرأي العام الفاعل يعمل على اطلاق اخلاقية المناقشة والحوار والتصدي لكي يكون ناجح ومؤثر على قرارات السلطة ورجال السياسة، ومن ذلك يجب ان يكون الرأي العام صندوق رنان للمشاكل الاجتماعية الشاملة كما يقول ايريك كيسلاسي.
بعد عام ٢٠٠٣ وصل العراق الى مرحلة جديدة اطاحت بالنظام الاستبدادي معلنة بداية جديدة شبيهة بمرحلة تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢٠، عبر اقامة نظام سياسي يتبنى المبادئ والقيم الديمقراطية التي تسمح للرأي العام ان يكون قائدا نابها لا موجها كما حصل منذ عام ١٩٦٨ ولغاية ٢٠٠٣.
لكن بعد انبثاق الدستور باستفتاء شعبي عام ٢٠٠٥، وانتخاب اول حكومة منبثقة منه بالانتخاب الحر الخالي من الهيمنة والاستبداد ونشوء نظام تعددي اجهز على نظام الحزب الواحد، وجد الرأي العام نفسه مرة اخرى امام عقبة مضافة، لان العمل الحزبي التعددي كتجربة سياسية اصبحت تشبه العمل النقابي الذي يمثل فئات معينة من الشعب، ويعمل على تحقيق مصالحها الخاصة دون غيرها، فلحد الان لا احزاب كبرى تمثل طموحات الجميع في حيثيات التأثير والتمثيل..
وهذا يرتبط بغياب مفهوم الامة العراقية والذي تجلى تاريخيا بالتفضيل الطبقي والعرقي والديني والسياسي مما حدا بالتجانس الاجتماعي المفترض قيامه تلازما مع بدايات نشوء الدولة العراقية، وذلك لان اي دولة حديثة ترتبط ارتباط وثيق بمفهوم الامة، وهذا لايرتبط فقط بعراق مابعد ٢٠٠٣ انما يمتد الى حقبات ابعد واطول بكثير تاريخيا فمشكلة الوحدة الوطنية والامة خضعت للادلجة ولحكم الشعارات ولانظمة امنية فرضت على الشعب طقوس سياسية اهمها ان لايبوح بمشاعره الحقيقية بل جعلته عاجزا ان يصنع رأيا عاما وفكرا بمعزل عن لغة الشعارات.
كم ان اهم عقبات تشكيل الرأي العام في العراق : ان البيئة الاساسية لنشوء وتنمية الراي العام غير ناضجة لحد الان واقصد هنا فاعلية الصالونات الادبية والثقافية واقتصارها على جزئياتها الخاصة وابتعادها عن واقع الشرائح الاخرى، وهجرة الواقع السياسي بسبب تراكمات الماضي وتحديات الحاضر وان كان لايخفى اسهام بعض الباحثين والاكاديمين والمثقفين والفاعلين المحليين وشرائح شعبية في انتاج مايمس الشأن العام تحليلا ونقدا واحتجاجا..
وعليه لتجاوز عقبات تشكيل رأي عام عراقي نابه غير موجه من الاحزاب والساسة والاطراف الاقليمية والدولية، لابد من السعي لبناء مفهوم الامة العراقية وتخليص الاحزاب والقوى السياسية من الاطر التقليدية والفئوية التي قيدت نفسها بها والانطلاق نحو مشروع رحب وهو المشروع الوطني العراقي القادر على التقريب بين الديمقراطية وتلك الاطر التقليدية ويجعل العلاقة بينهما علاقة ممكنة..كما يجب على الجميع الاسهام الواضح والمشترك (مجتمع وسلطة) لاعادة بناء المجال العام الذي هو البيئة والارضية الواجب توفرها لخلق اي رأي عام نابه.
لا ينكر ان هنالك رأي عام نابه بدا بالتشكل في الفضاء العمومي عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لكن تشكل في زمن الاعلام لا في زمن الدولة بمعنى قوة الاعلام هي التي اسهمت بتشكل هذا الرأي العام والاعلام هو احد وسائل التشكل لهذا الرأي لا جميعها…وثانيا ان مانراه ونلحظه من عمليات التعبير عن الرأي الجمعي في العراق الان تفتقد الى حدٍ ما الى الروح المنهجية الموحدة فنحن قد نكون موحدون لكن بالشعارات فقط لاننا نستصعب الواقع ، هذه المنهجية تتطلب ممارسة الضغط او تكوين المطالب والتي مازالت غير واضحة المعالم في كل التجمعات والنقاشات حول موضوعات الشأن العراقي العام، كما انها في الغالب جاءت نتيجة ردود افعال على ممارسات المغاير له في الهوية الفئوية او السياسية ولا تمثل كل المكونات والشرائح والمطالب، كما اننا نجد ان القوى السياسية والفضاء السياسي يتدخل عبر السلطة وادواتها مثل الاحزاب ووسائل الاعلام في التاثير في الرأي العام والمفروض ان العكس هو الذي يجب ان يحصل اي ان يسعى الرأي العام وحده بالتأثير في السياسة العامة والسلوك السياسي..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق