الرئيسية

الأغلبية والتوافقية في العراق….الضرورة والضرر

خاص / المدار / د. أحمد الميالي
معروف ان الديمقراطية هي حكم الشعب بالمفهوم الاغريقي القديم الذي عرف ممارسة الديمقراطية المباشرة، اما في الوقت الحاضر فاغلب الديمقراطيات هي غير مباشرة تتمثل بحكم الاغلبية البرلمانية حاملة تفويض الشعب، فمن يربح الانتخابات يشكل الحكومة ومن يخسرها يعد اقلية مهما كان وزنه وعليه البقاء في المعارضة، اما الديمقراطية التوافقية فهي تسمح للرابح والخاسر في المشاركة في الحكم تحت مسميات الشراكة الوطنية والوحدة الوطنية.
يتعكز انموذج الديمقراطية التوافقية على دراسات تجريبية عملية ولايستقي عناصر نجاحه من تراكمات وخبرات تاريخية ونظرية كما هو حال الديمقراطية التمثيلية.
لقد اكتسب مصطلح التوافق في الخطاب السياسي البريطاني والامريكي مضامين ايجابية تقريبا، فهو يعني التكيف مع وقائع الوضع السياسي للالتقاء بالمعارضين وتقديم خزين اجرائي وتدابير انية لحماية الاقليات وتخفيف الانقسامات الاجتماعية الحادة التي تهدد استقرار الانظمه السياسية .
لكن مع ذلك ضرورة التوافقية تقابلها اضرار بليغه اذ انها تسهم في اذابة مفهوم الاغلبية السياسية ويصبح من الصعب التمييز بين السلطة والمعارضة الامر الذي يؤدي الى عدم الاستقرار الحكومي.
ولابد من الاشارة الى ان نمط ديمقراطية الاغلبية يتصف بمزية تمنح غير الراضين حق التصويت ضد الحكومة وليس ضد النظام كما يقول ارنت ليبهارت، اما النموذج التوافقي فان الحكومة والنظام يتطابقان وبهذا يقلب الحنق والسخط ضد الحكومة الضدية على النظام السياسي برمته.
حقيقة ان التوافقية تفتقد لعناصر التنافس وتضرب منطق الاحتكام للاغلبية الحاكمة والاقلية المعارضة وعدم الاعتماد المتواتر على اسلوب الاقتراع والانتخاب بل الاعتماد على مواصفات بناء التحالفات التي تضمن للمكونات الاساسية فرص التمثيل والمشاركة في القرار.
في حالة العراق كان هنالك تاثيرا سلبيا للديمقراطية التوافقية على النظام السياسي اذ لم تولد هذه التوافقات ضمانات لمصالح الشعب وسببت الكثير من الازمات وعرقلت عمل الحكومات وادت الى غياب الانسجام بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والاهم من ذلك غياب المعارضة البرلمانية لاشتراك الجميع في الحكومة وتقاسم المناصب فقد اصبحت الخلافات والتوافقات السياسية مانعا وعائقا امام اداء الحكومات بشكل سليم كما حالت دون تطور النظام الديمقراطي في العراق سياسيا واداريا. رغم انها كانت في مرحلة ما ضرورة مهمة للعبور بالازمات الى الامام فقط لا اكثر .
لذلك تدرك بعض القوى السياسية ان الحنق على النطام السياسي العراقي ناجم من التوافقية والمحاصصة ولهذا تبذل جهودا من اجل طرح مشاريع الاغلبية بديلا عن التوافق والمحاصصة فطرحت الاغلبية السياسية من قبل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي التي تعني تشكيل ائتلاف برلماني من كل المكونات داخل مجلس النواب للاضطلاع بتشكيل حكومة من هذا الائتلاف مع وجود المعارضة كي ينصرف الى تشريع القوانين الدستورية المعطلة وتصريف شوؤن الدولة المتارجحة باريحيه، رغم ان المالكي تبنى هذا المشروع في انتخابات ٢٠١٤ لكن لم ينجح في استمالة اطراف عديدة من باقي المكونات السياسية بل رفضت اطراف من التحالف الوطني هذا المشروع ورفضت شخص المالكي لتولي الحكومة مما اجهض هذا المشروع.
الاغلبية السياسية هي انجح تطبيق للديمقراطية غير المباشرة من الناحية التمثيلية والاجرائية لكن قد تطبق بالعراق بابشع صورة اذا كانت اغلبية واسعه لاتراعي مصالح الاقليات الضعيفة وهذا يحصل بفطرة التغلب والامر الواقع، اما اذا كانت اغلبية سياسية هشه وهذا اقرب للواقع العراقي بمعنى انها لايمكن ان تستحصل اكثر من النصف زائد واحد كما يجعل المعارضة قوية قادرة على عرقلة كل مشاريع حكومة الاغلبية وخاصة التفصيلات والقوانين والتشريعات التي تحتاج الى اغلبية الثلثين ومنها قضية اختيار رئيس الجمهورية الذي يناط له دور تسمية مرشح حكومة الاغلبية وهذا شبه مستحيل اضافة الى كيفية حسم رئاسة مجلس البرلمان، فهي بالاساس تخض لحسابات المحاصصة وليس الاغلبية والمفروض ان يحقق مشروع الاغلبية السياسية اريحية الثلثين ليبقى الثلث غير معطل دونما اقصاء وتهميش لهذا الثلث مع وجود عائق كيفية توزيع القدرات والمناصب بين الثلثين فهو ايضا قد يدخل اليات توافقية معقده داخل هذه هذه الاغلبية،اذن سنكون ازاء اغلبية بين الضرورة والضرر .
كما طرح مشروع الاغلبية الوطنية من قبل زعيم المجلس الاسلامي الاعلى السيد عمار الحكيم ويقصد به اغلبية سياسية داخل وخارج مجلس النواب وهذا يعني ان الغطاء السياسي للحكومة وبقية المفاصل يتم تغطيتها ضمن الدوائر السياسية والحزبية في كل المحافظات وهذا ايضا شبه مستحيل ان يدافع مثلا حزب كردي او شرائح حزبية وسياسية وتنظيمات مساعدة او موازية متحالفة في الاغلبية الوطنية عن رئيس حكومة او وزير شيعي عن سياسة ما لاتروق لهذا الحزب داخل الاقليم او في كركوك مثلا..
ولكن نعلم في ظل تراجع الموازنة واختفاء المنجزات تبقى الية النيل من الاخرين افضل فرصة للبقاء في الواجهة السياسية مما يعقد مشهد بناء تحالف اغلبية وطنية كما يريده السيد الحكيم.
لا ارى ان اسس وقناعات وحوامل حتى لو نسبية لترجمة مشروع الاغلبية الوطنية بالوقت الحاضر رغم ضرورة هذا النوع من الممارسة الديمقراطية التي يحتاج لها العراق حقا للخروج من مآزقه وازماته.
وماينطبق من تعقيدات حسابية من اريحية التشكل والتكوين والانطلاق للعمل في مشروع الاغلبية السياسية ينطبق على الاغلبية الوطنية في مسالة الثلثين والنصف زائد واحد فكلاهما يواجهان متاعب تعيد الية الحسابات التوافقية مرة اخرى في بعض الحيثيات.
استقراءً للحراك السياسي الحالي نرى ان هنالك سيناريوان في المشهد العراقي
الاول :هو نية بعض الاطراف تاجيل الانتخابات الى مابعد داعش مما يدخلنا في نفق الفراغ الدستوري كما يسمى ويبقي الواجهات السياسية في مكانها لانها لاتضمن عودتها للحياة السياسية فيما لو اجريت الانتخابات في وقتها المحدد بسبب التراجع في ادنى الاداءات السياسية والخدمية.
الثاني: هو بروز مشروعان للاغلبية، اغلبية المالكي كما اوضحتها اعلاه من خلال اغلبية سياسية نيابية من الشيعه والسنه والكرد نسبيا كحركة التغيير مثلا وبعض النواب الكرد المنشقين من احزابهم الكبيرة وبهامش بسيط للنصف زائد واحد يعيد انتاج التوافقية بصورتها المخففة والمحاصصة على اساس المكونات عن بعد .
ومشروع اغلبية سياسية بنفس السيناريو يطرحه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي قبيل الانتخابات ان جرت ومن ذات الاطراف التي ترفض الدخول بمشروع اغلبية المالكي، بمعنى ان مشروعا الاغلبية القادمين سيشقا عصا احزاب المكونات الثلاث مع بقاء الاحزاب التقليدية الكبرى كما هي وخاصة الاحزاب الكردية والتعويل على انشاقاقات الاحزاب السنية والتحالف الوطني المنقسم على نفسه اصلا والتي بدات علامات فارقة بتشضيها منذ الان.
قواعد السلوك السياسي تقول ان من يملك السلطة تكون فرص نجاحه اوفر في حياكة ونسج التحالفات السياسية، فالعبادي قد ينجح في تشكيل اغلبية سياسية رغم محدودية شعبيته لكن هنالك مقبولية سياسية واسعه لديه بين الاحزاب، المالكي يملك نفوذا وحظوة كبيرة ممكن ايضا ان ينجح في بناء مشروع اغلبية واسع، مثل هاتين الاغلبيتان اذا ما فعلا برزا الى الواجهة السياسية فان اللبنة الاولى لتصحيح المسار الديمقراطي ستكون ناجزة وخطوة ضمن الاتجاه الصحيح ضمن اطر التنافس السياسي.
رغم ان الواقع ضمن مخاوف عديدة يشير الى عودة مفهوم التوافقية مرة اخرى والتقوقع ضمن اطار الطوائفية بسبب وجود ازمة ثقة ومحاولة كل طرف المحافظة على مصالحه.
لكن العملية السياسية العراقية تحتاج احيانا الى تحقيق مصالح الجميع فلا ينفرد حزب او طائفة او شريحة بقرار سياسي او مصلحة له على حساب الاخرين لان من اضرار حكومات الاغلبية في البدان النامية احيانا العمل على تقزيم المعارضة كهدف سابق على الاداء الحكومي وانجاز الخدمات وتنفيذ السياسات العامة وهذا ينتج رفضا واسعا يهتك بالامن، والعراق مر بهذه الحالة مع وجود حكومة التوافق والشراكة فكيف في ظل حكومة اغلبية لاترتكز على اليات التشاور مع المعارضة ولا الشمولية في توزيع القدرات والمناصب ولا تقوم بموازنة المصالح السياسية للفاعلين السياسين والاحزاب والتيارات السياسية!!!.
مع كل هذا الاسلم البدء بتأسيس تقاليد وقيم سياسية ديمقراطية تحترم حاضر المجتمع ومستقبله عبر ديمقراطية اغلبية مع معارضة سياسية سليمة بناءة تقوم المسار الديمقراطي .
بناء ثقافة سياسية مساهمة لاتبنى الا عبر اتساع وعي المجتمع والفضاء السياسي وتقبل الحوار مع الاخر والاعتراف بمبدأ الاختلاف حتى يمكن ان تتحول ثنائية الاغلبية والمعارضة الى قناعة راسخة ومن ثم تترجم الى سلوك سياسي مستمر.
داحمد الميالي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق