الرئيسية

ما بعد وداع “الاصلاحي” نوشيروان.. حركة التغيير وسيناريوهات تغير التوازنات بكردستان

خاص / المدار / بغداد
الخبير بالشأن الكردي العراقي / سامان نوح
في السليمانية كما في اربيل، ودع مئات الآلاف من عامة الناس وقادة وأعضاء الأحزاب الكردية، نوشيروان مصطفى المنسق العام لحركة التغيير، وهم يتساءلون عن مصير الحركة الاصلاحية التي أسسها وحصد من خلالها بامكانات بسيطة في عمليتين انتخابيتين وفي مواجهة حزبين يمتلكان المال وكل ادوات السلطة والتأثير، نحو ربع اصوات الناخبين الكرد.
في الانتخابات البرلمانية الأولى التي جرت في 2009 شارك الحزبان الحاكمان (الاتحاد الوطني بزعامة طالباني والديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني) بقائمة واحدة وفعلا “كل شيء” لمنع حركة التغيير من الفوز بمقاعد تجعله قوة مؤثرة، وتكرر المشهد في الانتخابات البرلمانية التالية عام 2013، وان دخلها الاتحاد والديمقراطي بقائمتين منفصلتين، لكن الحركة حصدت أصواتا مؤثرة جعلتها القوة الأولى في السليمانية والثانية على مستوى الاقليم.
كان شعار التغيير والاصلاح مغريا في الشارع الكردستاني بعد ان استحكم الفساد وتغلغل بكل مفاصل الادارة والسياسة والاقتصاد في الاقليم، الذي تحول معظم مسؤولي الحزبين الحاكمين فيه خلال سنوات الى تجار كبار واصحاب شركات عملاقة يملكون ثروات طائلة، دون ان يهتموا بتطلعات الشعب الكردي في بناء المؤسسات وتطوير الديمقراطية وتحقيق العدالة والمساواة.
في الحملات التي سبقت تلك العمليتين الانتخابيتين كان بعض كبار منظري الحزبين الحاكمين، يعلنون لجمهورهم ان الحركة ستمنى بهزيمة كبيرة، وان المقاعد التي ستحصدها لن تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة، وفي الجلسات الخاصة كانوا ينظرون باعجاب وبقلق وغيرة لتحركات زعيم حركة التغيير، الذي وقف رافضا الواقع حين كان الآخرون يحصون ويعززون أرباحهم المالية وامتيازاتهم الحزبية.
غامر الرجل بكل رصيده الحزبي تاركا منصب النائب الأول لجلال طالباني، وأسس حركة سياسية عمادها الشباب ليضع اللبنات الأولى للمطالب الاصلاحية بعد ان فشل الجميع في دفع الديمقراطي والاتحاد الى البدء بها رغم حاجتهما الماسة لاصلاح جذري قبل ان يفقدا كل مقومات الأحزاب ذات البنى الهيكلية والديمقراطية والفكرية الصحية.
حققت حركة التغيير صعودها، تحت الرمزية والقيادة الكاريزمية لنوشيروان مصطفى، وهو ما يعني ان رحيله سيترك فراغا كبيرا وسيلقي بآثار عميقة على حركة التغيير التي ستكون مهددة بخسارة كل ما بناه نوشيروان الذي لم يترك خلفه شركات كبرى ولم يسمح لأبنائه بتقلد مناصب في الحركة.
كما ان رحيله سيكون له تداعيات على عموم المشهد السياسي الكردي، باتجاه اعادة توزيع حجوم القوى وتأثيرها ومعها صياغة الاتفاقات والتحالفات المرحلية وهو ما سيؤثر على طبيعة السياسات والخطاب الكردي في الأشهر المقبلة.
مسارات وسيناريوهات لضبابية المشهد، تجنب معظم الكتاب الكرد في الأيام الماضية الخوض في مستقبل الحركة وسيناريوهات ما بعد رحيل زعيمها، مع موجة التساؤلات عن المستفيد من رحيل نوشيروان، فهل سيعزز ذلك سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني المتنامية كصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في الاقليم مع التراجع المحتمل لقوة حركة التغيير التي وقفت بالضد من سياسات الديمقراطي، ومع استمرار الخلافات وصراع الأجنحة داخل الاتحاد الوطني الذي يضعف قدرته على اتخاذ القرارات.
أم ان الاتحاد الوطني سيستغل رحيل نوشيروان ليعيد استقطاب كبار قادة الحركة ان لم يستطع اعادة كل الحركة وضمها تحت جناحه، وهو ما اعلنه صراحة الكثير من قادة الاتحاد الذين دعوا خلال اليومين الماضيين الى اعادة توحيد الحزبين.
قبل شهرين، كان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني يقتربان من التوصل الى تفاهمات لتفعيل البرلمان دون الاتفاق المسبق على تفاصيل قانون رئاسة الاقليم وطبيعة نظام الحكم في الاقليم، وهما النقطتان التي أدتا اصلا الى تعطيل البرلمان بعد قيام الديمقراطي بطرد رئيس البرلمان (الذي حاول تمرير مشاريع قوانين بشأن رئاسة الاقليم ونظام الحكم تتقاطع مع تطلعات الديمقراطي) ووزراء حركة التغيير من اربيل ومنعهم من مزاولة أعمالهم.
وكانت التفاهمات تمضي باتجاه اعادة عمل البرلمان دون منح اي دور لحركة التغيير مع تأجيل الانتخابات البرلمانية التي يفترض اجراؤها في ايلول المقبل، وهو ما يعني احتفاظ الحزبين الكبيرين بكل مفاصل الحكم في ظل تعطيل الحياة السياسية والبرلمانية وعدم حساب رأي الشارع بعد الغاء او تأجيل الاحتكام لصناديق الاقتراع لفترة تسمح لهما بتغيير جل قواعد اللعبة معتمدين على تبني المشروع الأكثر شعبية في كردستان والمتمثل باجراء استفتاء تقرير المصير ما سيعني منح الحزبين الشرعية القانونية والثورية والحزبية لسنوات أخرى. اليوم مع رحيل نوشيروان، ستتغير الرؤية، وربما سيسعى الديمقراطي الى التسريع في اجراء الانتخابات البرلمانية، التي كان يخطط لتأجيلها وجعلها خطوة ثانية تعقب اجراء الاستفتاء.
فالديمقراطي يعرف ان حركة التغيير ستكون في اضعف حالاتها خلال الأشهر المقبلة، ومع استمرار مشاكل الاتحاد وصراعات قادته واجنحته في ظل غياب طالباني، فان اجراء الانتخابات فرصة مثالية لتعزيز نفوذه وسلطته في الاقليم حتى مع الازمة الاقتصادية المستمرة منذ نحو عامين وفشله في تسديد رواتب الموظفين (استمرار استقطاع 50% من الرواتب) وفشله في مكافحة الفساد وتحقيق العدالة وبناء المؤسسات والتي ادت في مجموعها الى تزايد الانتقادات الشعبية له.
حتى الاتحاد الوطني، قد يجد في اجراء الانتخابات في موعدها فرصة لاستعادة قوته البرلمانية وتحجيم حركة التغيير عبر النزيف المتوقع لأعضاء ومسؤولي الحركة الذين سيعودون لمظلة الاتحاد الوطني، ولكنه قد يطمح رغم مشاكله الداخلية، الى تحقيق ما هو ابعد من ذلك من خلال محاولة اعادة ضم الحركة بشكل كامل الى الاتحاد الوطنين وهو ما لم يخفه كبار مسؤولي الاتحاد الذين كرروا خلال الأيام الماضية دعواتهم وتطلعاتهم لتوحيد الحزبين ما يعني تغير التوازنات لصالحه.
حركة التغيير تدرك من جهتها، انها ستكون امام اشهر صعبة، ستحدد مصيرها، فغياب زعيمها بكل ما يحمله من رمزية، في منطقة (الشرق الاوسط) يعطي الناس عادة اصواتهم وولاءاتهم للقادة الرموز وليس للاحزاب، وهي أمام مفترق طرق، لعل ملامحه الأولى تتمثل في:-
– استمرار الحركة بسياساتها السابقة رغم الصعوبات، واختيار قيادي من الجيل الأول (قادر حاجي علي، عمر سيد علي، عثمان حاجي محمود) لتولي منصب منسق الحركة، ومحاولة الاحتفاظ بوحدة صفوف الحركة وتقليل آثار الرحيل المتوقع للعديد من مسؤوليها وكوادرها تحت ضغط الاغراءات المالية والسياسية التي ستقدمها لهم الأحزاب الاخرى.
– استمرار الحركة، واختيار قيادة شابة، تضع سياسات جديدة تمضي في مسار الاصلاحات المدنية، لتخسر بذلك جزءا من رصيد الحركة في الشارع ولتعاني من نزيف مغادرة الكثير من كوادرها، على أمل ان تعود للنهوض مجددا وبقوة كحركة تمثل المستقبل وليس الماضي، مستفيدة من حقيقة تراكم الأمراض المستعصية (هيكليا وديمقراطيا وفكريا) في جسد احزاب السلطة التي لم تعد قادرة على معالجتها ولا على اصلاح نفسها قبل تقديم الحلول لأمراض المجتمع.
– انضمام معظم حركة التغيير الى الاتحاد الوطني، في اطار مشروع التوحيد، عبر الاتفاق الاستراتيجي او خارجه، والتنازل عن الرؤية الاصلاحية الراديكالية، وتشكيل تحالف جديد يعيد رسم التوازنات في كردستان، ولكنه يبقي الازمات المفصلية دون حلول، خاصة في ظل غياب قيادة موحدة للاتحاد الوطني.
تذهب معظم التوقعات بأن تتراجع حركة التغيير في الأشهر المقبلة كقوة سياسية، وستحمل السيناريوهات اعلاه وبعض السيناريوهات الاخرى متغييرات عديدة على المشهد الكردي، الذي سيظل محكوما ايضا بالتطورات الاقليمية والتطورات في بغداد، وحركة الشارع الكردي التي يمكن التقاط بعض توجهاتها الغاضبة من القيادات الحاكمة، من خلال مشاهد الحزن والصدمة والمشاركة الهائلة في مراسم عزاء وتوديع نوشيروان مصطفى.
رغم كل الملاحظات على مسيرته السياسية، رحل نوشيروان بعد ان سجل اسمه كقائد عملية الاصلاح والتغيير في اقليم كردستان ومؤسس اكبر حركة سياسية مدنية (غير مسلحة) تعطي للشباب ادوارا قيادية وتحمل شعار التحديث ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة. رحل قبل ان يرى أهداف حركته تتحقق، رحل وهو في حالة احباط من استشراء الفساد واستغلال السلطة، وتمازج السياسة بالتجارة، والفشل في بناء المؤسسات واحترام وقبول قيم الديمقراطية، وتقبل مبدأ التبادل السلمي للسلطة.
رحل نوشيروان الذي كان يمثل مصدر الهام وأمل لشريحة واسعة من الشباب الغاضبين من مجمل الحياة السياسية والادارية والاجتماعية، وهو ما قد يجعل تشتتهم وانفلاتهم دون وجود حركة قوية تضمهم، مصدر مشاكل لا احد اليوم يعرف بدقة حجمها وحدودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق