ترجمات

«دير شبيجل»: بعد داعش هل يترك أطفال الموصل السلاح ويعودون إلى طفولتهم؟

منذ أن سيطر تنظيم داعش على مدينة الموصل في صيف عام 2014، لم يألُ جهدًا للعبث بعقول الأطفال في المدارس وتشكيلها حسب معتقدات التنظيم، ولكن بعد نجاح القوات العراقية – بمساعدة التحالف الدولي – في طرد التنظيم من شرق المدينة، يواجه معلمو المدارس معضلة كبيرة تتمثّل في كيفية محو أفكار العنف والقتل من عقول الأطفال.
هذا ما تتناوله كاترين كانتز بالبحث والاستقصاء في مقالها على موقع النسخة الدولية من مجلة «دير شبيجل» الألمانية.
في صبيحة أحد أيام شهر مارس (آذار) الماضي – تستهل كانتز بالقول – وقف عشرات الأطفال أمام مدرستهم الابتدائية، التي تقع بجوار بنايات مدمرة وسيارات محترقة شرقي الموصل. وعند سؤالهم عما تعلموه في الشهور الماضية، كانوا يردّون بحماس شديد «تعلمنا القتال على يد داعش!». إذ كان المدرسون عناصر تابعة للتنظيم.
لا تزيد أعمار الأطفال على 13، وهم يحملون حقائبهم الثقيلة ويرتدون ثيابًا بالية. بعضهم تناول الإفطار وبعضهم لم يتناول، وقد وقفوا يضحكون ويلعبون أثناء انتظارهم للدخول. ورغم ضحكاتهم، يمكن للمرء أن يرى الحزن المحفور على وجوههم.
سعى تنظيم داعش إلى تغيير كافة نواحي الحياة في الموصل بعد استيلائه عليها – تشير كانتز. فكان يضع قوانين اقتصادية وقضائية تتناسب مع رؤيته ومعتقداته. وكانت السيطرة على التعليم في الموصل من أكثر ما اهتم به التنظيم.
ما تزال المفخخات والطائرات المسيرة التابعة للتنظيم تهدد شرق المدينة رغم تحريره، إلا أنّ ذلك لم يمنع حوالي 20 ألف طفل من العودة إلى مدارسهم. يحاول المعلمون إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل التنظيم، ولكن هل هذا ممكن؟ وما الذي تعلمه الطلاب في ظل داعش؟ تتساءل كانتز.
يقول أحد الطلاب «احتوى كتاب الرياضيات على صورة لشاحنة مفخخة يقف عليها أحد عناصر داعش». وقال آخر «كانوا يسألوننا من الأفضل، الجيش العراقي أم الدولة الإسلامية؟ فكنا نصيح قائلين: الدولة الإسلامية!»
أزال التنظيم كافة الصور من الكتب المدرسية، باستثناء صور أفراده – تؤكد كانتز. وامتدت أيادي التنظيم لرمي طفل من أعلى بناية، ونزع أحشاء عم أحد التلاميذ.
عند سماع جرس الصباح، يتقاطر الطلاب على مدرسة بن مروان، التي يشهد مبناها على حدة المعارك بسبب الثقوب التي أحدثها الرصاص، وإحدى النوافذ التي اخترقتها قذيفة مورتر. والفصول في المدرسة مكدسة بالطاولات.
إذا خضت جولة في المنطقة المحيطة بالمدرسة – تشير كانتز – لرأيت حجم الدمار الذي سببته غارات التحالف الدولي. أُحرقت مراكز سيطرة عناصر داعش عن بكرة أبيها. قبل بضعة أشهر، نحر عناصر التنظيم أربعة أشخاص أمام أعين التلاميذ هنا. يمكنك الآن رؤية النساء وهنّ تحملن جرَّات المياه، والصبية وهم يلعبون الكرة في منطقة يُشتبه في وجود ألغام فيها. أصبح الناس يتشككون في بعضهم البعض هنا، فكم بقي من عناصر التنظيم الذين ما زالوا مختبئين.
عبر ما أسماه ديوان التعليم، حاول تنظيم داعش العبث في أفكار الأطفال في الموصل. فقد وضع الديوان المناهج التي كان على المعلمين تدريسها إلى الطلاب. إلى جانب ذلك، كان يجري جمع الأطفال في الشوارع وعرض مقاطع مصورة لذبح أشخاص أمامهم.
«كانت مدرستي نواة لحالة هيستيرية أريد لها أن تنمو». بهذا الأسلوب البلاغي، عبر شاكر أحمد – معلم في الخمسينات من العمر – عما كان عناصر داعش يحاولون فعله. يجلس أحمد على مكتبه ويتحلق حوله أربعة معلمين آخرين على أرائك جديدة. قال إنهم اضطروا لحرق الأرائك القديمة، وبعض الكتب والأحذية للحصول على الدفء في الشتاء.
ولكن كيف حالهم الآن بعد طرد داعش؟ تتساءل كانتز.
بعد غياب معظمهم عن المدارس في وجود داعش، عاود كافة الطلاب الحضور دفعة واحدة بعد تحرير شرق المدينة. يقول أحمد: إنّه قد سجّل 800 طالب، وجرى تقسيمهم على دوامين، لكن معظمهم يحضر مرتين أو ثلاث في الأسبوع فقط. وهم يدرسون المواد التي أرسلتها منظمة اليونيسيف.
أوقفت الحكومة إرسال الرواتب إلى الموظفين الحكوميين بعد أن سيطر تنظيم داعش على المدينة – تقول كانتز – إذ إنها افترضت أنّ الأموال ستذهب إلى عناصر التنظيم. يقول أحد المعلمين «كنا نعمل في ظل داعش بسبب الخوف، لكننا نعمل الآن لأنّنا نحلم بمستقبل أفضل».
بعد طرد داعش من المنطقة، عاود الناس الغناء والتدخين والاستماع إلى الموسيقى، ولكن في غضون ذلك، قضى العشرات نحبهم بسبب قذيفة أطلقها داعش على السوق الواقعة في قلب المدينة. وما يزال آلاف المدنيين أسرى لدى التنظيم غربي المدينة.
توقع شاكر أحمد أن يأتي التنظيم إلى بيته الواقع على أطراف المدينة بعد احتلالها، بالرغم من أنّ ذلك كان إبّان الإجازة الصيفة. وهذا ما حدث؛ فقد أتى عنصر مصري وآخر أردني إلى بيته، زاعمين أنّهم من «وزارة التعليم التابعة للدولة الإسلامية. وقد أخبروه أنّهم يعولون على مساعدته هو وزملاؤه.
وصل مشرف تابع إلى التنظيم – أبو زينب – إلى مدرسة بن مروان – تضيف كانتز – وطمأن الطلاب بأنّهم سيدرسون كما هم. كانوا يوزعون الخبز والبنزين على الفقراء، ويمنحون الصغار ساعات – كهدايا – في المساجد. ولكن بعد فترة، تغير كل شيء.
أقبل أبو زينب ذات يوم إلى المدرسة حاملاً سيفًا، وقد جمع كافة المعلمين وجلس أمامهم ليحدثهم عن دور الدولة الإسلامية في محاربة الغرب، وما انفك يستخدم آيات من القرآن الكريم.
وأوضح أنّ المعلمين لهم دور خاص في «الخلافة». وقال: إنّه سيجري الاستبدال بالمناهج التي تعجّ بالإلحاد، أخرى من صنع التنظيم. «من سيعترض منكم، فلسوف يُقتل». قال أبو زينب متوعدًا.
أمر التنظيم المعلمين بإحراق الكتب القديمة التي تمتلئ بالشعر والأغنيات، وحكايات عن تاريخ العراق. أحرقوها كافة. ولم تسلم مادة الجغرافيا من عبث التنظيم، فقد أزال الحدود بين سوريا والعراق، ليعطي انطباعًا بعظمة إمبراطوريته. واعتبروا الأكراد والشيعة «كفارًا» وجب قتلهم.
استُبدلت بكتب التاريخ أخرى تحكي سير قادة التنظيم – وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي – فضلًا عن سيرة النبي محمد. واستُبدل بالتفاح والبرتقال الدبابات والقنابل في كتب الرياضيات، وأزيلت علامة + لأنها تشبه الصليب واستُبدلت بحرف z.
توجب على المعلمين عدم تغطية كاحلهم، التزامًا بالشريعة. أما المعلمات، فكان يحظر عليهن كشف وجوههن أو وضع الزينة أو حمل هواتف نقالة أو التدخين. وجرى فصل الطلاب عن الطالبات والمعلمين عن المعلمات، ومعاقبة كل من يخالف ذلك الفصل بالقتل. كان حكم داعش قائمًا على الترهيب.
جرى طمس وجوه رسومات الأطفال التي تزين بهو المدرسة؛ لأنّه – وفقًا لمعتقدات تنظيم الدولة – يُحرم رسم الأشخاص. كما طمسوا صورة بقرة لدى محل جزار يقع قبالة المدرسة لنفس السبب.
الآن بعد التحرير – تقول كانتز – بات مصير المدينة في أيدي المعلمين. يجهل شاكر كيف يمكن البدء في تغيير ثقافة الأطفال، الذين باتوا يمارسون لعبة الشرطة وداعش في الفسحة، ويتخيلون أنّهم يقتلون بعضهم بعضًا. يعتقد شاكر أنّ الأطفال الصغار مثل العجين، إذ يمكنك تشكيلهم كيفما شئت، لكنهم ينسون بسرعة.
يعمل محمد أصيل – 29 عامًا – مدرسًا للغة العربية، على الرغم من دراسته أدب المسرح في جامعة الموصل، لكنه يعمل في كشك خاص به في المساء حتى يصرف على زوجته وبناته الثلاث، بعد أن انقطعت الرواتب الحكومية.
يقول التقرير: إنّ أصيل قد عاش حياة صعبة. فقد تعرض للاعتقال بعد سقوط صدام لاشتباه الاستخبارات العراقية به. وجرى اعتقاله مجددًا من قبل داعش لالتقاطه صورة سيلفي وهو يسبح نصف عارٍ.
تحاشى المعلمون التحدث إلى الطلاب بشأن داعش، لأنّ كثيرين منهم كانوا موالين للتنظيم. وما زال المعلمون يشعرون بالخوف حتى بعد تحرر منطقتهم.
يمازح أصيل زميلته المعلمة التي ما تزال تغطي وجهها، قائلًا لها «أنتِ تشبهينهم». لكنها تبرر ذلك بأنّ الجو مترب، مع أنّها لم تنف أنّها ما تزال تشعر بالخوف.
اشتكى والد أحد الطلاب إلى أصيل من أنّ ابنه يتبول على نفسه ليلًا من الخوف. أخبر أصيل الطفل ألا يفعل ذلك، وأن يستخدم الحمام. كان أصيل قد فرّ هو وعائلته الصغيرة من جحيم القتال في الموصل، وكاد يفقد إحدى بناته أثناء ذلك.
في حجرة المعلمين – تواصل كانتز – جرى تعليق هرم من خمسة بنود هي «الحاجات الأساسية، والأمن، والحياة الاجتماعية، والحاجات الشخصية، وإدراك الذات». لا يعرف أصيل إن كانت هذه مجرد أحلام، لكنه متفائل بالمستقبل.
تحدثت معدة التقرير إلى قيصر الكردي، وهو أحد الأطفال الذين انضموا إلى مخيمات تدريب «أشبال الخلافة» التي أعدها التنظيم لتعليم الأطفال القتال. جلس قيصر بخجل على الأريكة في حجرة المعلمين بعد أن أغلق الستائر كي لا يراه بقية الطلاب.
قال قيصر «لم يشرحوا لنا شيئًا، وإنما كنا نتبع الأوامر فقط». ثم شرع يحكي بحماس كيف كانوا يختبئون خلف إطارات السيارات وأكياس الرمل أثناء التدريب على القتال.
يوضح قيصر كيف كانوا يعلمونهم العراك بالأيدي، وكيف أنهم علقوا حزامًا ناسفًا حول جسده ذات مرة. جهز عناصر التنظيم دمى كبيرة حتى يتعلم الأطفال كيفية قطع الرؤوس.
يقول والد قيصر – المسلم المحافظ الذي يرفض مصافحة النساء – إنّه كاد يفقد ابنه لصالح داعش، فقد قاموا بعملية غسيل دماغ له. عندما بدأ ابنه الذهاب إلى المسجد، طلب منه عناصر داعش الانضمام إليهم حتى لو لم يوافق الوالدان. وقد كاد ذلك أن يضعه في مواجهة مع عناصر التنظيم. تركه يلتحق بهم، لكنه كان يقوم بعملية غسيل دماغ معاكسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق