الرئيسية

قراءة في تأثيرات السلطانية الاردوغانية القادمة على العراق

المحلل السياسي / باسم العوادي
لم يك لعموم القارة الأوربية كدول وحكومات من موقف عام مثير  للاهتمام مثلما كان لها من الاستفتاء في تركيا حيث الرفض والانزعاج الشديد لدرجة ان معركة الاستفتاء لم تكن في انقره وانما كانت في قلب اوربا التي اوصلها القلق للخروج حتى عن تقاليدها الديمقراطية الرصينة لتمنع مظاهرات سلمية مؤيده للاستفتاء او تمنع مسؤولين اتراك من الهبوط على اراضيها او تزيد الرقابة الامنية على المساجد التركية واخيرا وصل الامر الى حد ان المانيا اعتقلت وغرمت يوم امس افرادا اعربوا عن فرحتهم وابتهاجهم بنجاح الاستفتاء، هذه الصورة تعكس بجلاء كيف سيكون الامر بين تركيا واوربا عندما يبدأ اردوغان فعلا بنقل تركيا رسميا من الكمالية الى الاردوغانية قريبا؟.
اما الثعلب الامريكي فهو قد قرأ المستقبل التركي منذ عدة سنوات بعيده وبناء على الانغماس الامريكي والعلاقة السابقة الوثيقة  بالعسكر التركي فقد فهمت امريكا مسارات اوردغان القادمة وبدأت تقلل من علاقتها السياسية والعسكرية والاستخبارية لدرجة انها تهيأ الارضية للانسحاب الكامل من قاعدة انجرليك الاستراتيجية لتقول لانقره وداعا للعشق السابق المتبادل واهلا بالعلاقة الحذرة الاتية، لدرجة ان سعي اردوغان لتحسين علاقاته مع اسرائيل وفتح السفارة مرة اخرى في انقره لكي يضمن سكوتها عن خططة لم تخدمه كثيرا في اوربا وامريكا، سوى بتهدأة اسرائيل وهي واحدة من اهم الدول الرابحة بالتحول التركي من الكمالية الى الاردوغانية، فقد اضيفت دولة عقائدية جديدة الى مثلث القوميات والمذاهب الرهيب في المنطقة، حيث سيزداد الاستقطاب والتنافر فيها ويقل التركيز على تل ابيب وهذا ما تريده وتبحث عنه بالتحديد.
اتجاه التاثير الاردوغاني
 ستوضع دائرة حمراء حول تركيا من قبل اوربا وامريكا لمعرفة  الخواصر الضيقة التي يمكن ان يتحرك من خلالها اردوغان عبر الحدود، فمن الناحية الاوربية سيجري تعزيز دول الجوار الاوربي لتركيا بقوة فالنزاع الاسلامي العثماني ــ الاوربي المسيحي لازال وقادا في اذهان الدول المجاورة لتركيا وعليه فسيتم تعزيز حدودها وامنها بشكل كبير لتصبح اقرب بدول مواجهة عسكرية مع تركيا.
من ناحية اذربيجان فالعلاقة هناك مختلفة ولكن ازمة قره باغ يمكن ان تندلع في اي وقت بصورة جديده وسيتم العمل ربما على تعزيز هذه المعركة لمشاغلة تركيا لاحقا وروسيا في قلب هذه المعادلة من قره باغ الى دمشق، من الناحية العربية وهي مربط الفرس، فتركيا اردوغان متورطة في الشأن السوري من اخمص القدم الى الهامة وستزيد من هذا التورط لاحقا لانه بقرار اردوغاني بحت وليس بقرار تركي حسب القناعة العامة، لذلك سيعمد اردوغان  ليحقق شيء ما في سوريا لكي يعوض عن التراجعات في اماكن اخرى وليقنع او يشاغل الراي العام التركي بأنه يحقق انجازات او يقنعهم بأنه مستهدف من روسيا وايران وغيرهم.
من ناحية ايران، فالمعادلة صعبة، فهو اضعف منها ليس بالقوة التدميرية او التسليحية ولكن في الموقف العام لان اي تفكير في اي نزاع معها سيجعل كفتها اقوى، فايران ليست مجاورة لاوربا كما ذكرنا واوربا لا تتخوف من مد ايراني اسلامي ولايوجد بين اوربا وايران ثارات قديمة مبنية على مذابح بشعة واحتلالات دموية تتذكرها اوربا لليوم من الاحتلال العثماني بالخصوص في بلغاريا والنمسا وايطاليا وغيرها، وعليه فستكون علاقته بطهران حذرة مبنية على التنافس في كل شيء بدءاً من الاقتصاد وانتهاء بالدين والمذهبية والنفوذ.
العراق في قلب السلطانية الاردوغانية الجديدة
العراق مربط الفرس وساحة الرهان القادم، فالسنوات الاخيرة بينت انه اردوغان يفكر جديا في ايجاد ليس تاثير سياسي او اقتصادي او مذهبي في العراق، وانما يبحث عن موطئ قدم في العراق ، وتعددت اعذاره فمن شعار حمايته لسنة الموصل، الى شعار محاربة داعش، مرورا بشعار حمايته للتركمان في تلعفر ، اتساقا مع شعار محاربة حزب العمال التركي في جبال قنديل سابقا وصولا الى المدن حاليا حيث سنجار ونزولا الى كركوك، ولا تنتهي الاعذار بكركوك، حيث النفط والثروات، وواضح الموقف التركي الاخير من ازمة ارفع علم كردستان في كركوك، والاعلان عن تحركات عسكرية تركية على الحدود العراقية عشية الاستفتاء، واخيرا وجود القوات التركية في معسكر بعشيقة، وعلاقته غير الخفية بأربيل وقيادتها؟
اذن يمتلك اردوغان الاعذار لكي يتدخل في الشأن الداخلي العراقي، واصبح الان يمتلك السلطة المطلقة في تركيا بدون ازعاج من المراكز المؤثرة سابقا، فهل سيتحرك اردوغان باتجاه تثبيت موطئ القدم في العراق انطلاقا من احد الاعذار السابقة، ام انه سيلتزم سياسية حسن الجوار ؟
القناعة الاولى بان العلاقة العراقية ــ التركية القادمة ستكون ساخنة تميل كفتها من ناحية التحليل السياسي، لان انعكاسات العلاقة التركية ـ الايرانية ، وانعاكاسات العلاقة التركية ـ العربية والخليجية، ستكون في العراق وهذا معناه ان العراق ممكن ان يتحول لساحة صراع قطبها الجديد انقره بصورة مختلفة عن السابق.
وعليه تبرز اهمية دعم العراق من قبل امريكا واوربا وايران بصورة مختلفة مستقبلا، لكي يعزز من وضعه العسكري والسياسي الداخلي حتى يستطيع ان يصمد بوجه الاردوغانية فيما اذا حاولت التغول بوجه العراق واعتباره احد هم الخواصر الضيقة التي توفر له حرية الحركة وفرض الشروط من خلالها على مختلف الاطراف.
الاندفاعه الامريكية الاخيرة تجاه العراق اصبحت واضحة ولعل احد اسبابها هو هذا الموضوع، والتاثير الايراني في العراق واعي للمتغيرات الداخلية والخارجية وسيتعامل معها بكل تأكيد بصورة جدية، ما ينقص هو التواصل العراقي الاوربي، والذي يجب على الحكومة تفعلية بدرجة كبيرة لتكون اوربا القطب المعارض للاردوغانية صاحبة دور في دعم العراق جديا خلال المرحلة القادمة.
على مستوى الداخل العراقي هناك ادوار والتزامات جديدة ايضا على التحالف الوطني العراقي باعتباره غالبية سياسية وبرلمانية وسكانية، في ان يعيد ترتيب اولوياته ويتوجب على قواه المهمة الآن ان تنظر بصورة متعقله مختلفة عن السابق، فوجود تركيا الاردوغانية في المستقبل القريب سيكون عامل مواجهة جديد قد يتهدد العراق ويزيد من ازماته الداخلية والخارجية.
الخلاصة: اردوغان السلطة أم الزعامة
كل ماذكر أعلاه هو قراءة لأسوأ السيناريوهات وهي مهمة التحليل السياسي في ان يتوقع الاسوأ ويضع له الحلول، والايجابي ماشي بدوره بلا تعكير، امريكا واوربا والعراق وايران وروسيا وبقية دول الجوار التركي سترصد خلال المرحلة المقبلة الحركة الاردوغانية بدقة.
مالذي يريده اردوغان السلطة ام الزعامة؟
وهناك فارق كبير كالفارق بين السماء والارض بينهما، فاذا كان اردوغان يبحث عن السلطة بمعنى انه يريد ان يصبح صاحب الكلمة الطولى واليد العليا في تركيا بدون منافس فهذه تحققت ولا تهم كثيرا بل سيمنح اردوغان اضعافها لو شاء لان الموضوع تركي داخلي غير مؤثر على صياغة الايديلوجيات والافكار والسياسية الخارجية.
أما اذا كان اردوغان يبحث عن الزعامة السياسية، وهو الارجح ـ حسب التحليل والمعطيات ـ فهنا تختلف الامور كليا، لان الزعامة تعني البحث عن ادوار ايديلوجية وعسكرية ونفوذ عقائدي ومشاريع ضرب تحت الحزام وعودة الى ايام السلطانية العثمانية وهذا ما سيضع العالم والمنطقة أمام تحديات جديدة، والموضوع برمته متعلق بشخصية اردوغان خلال المرحلة القادمة، اما ان يمنح المنطقة السلام والرخاء والتفاهم والتعاون، او يجعلنا نقرأ سور الفاتحة مقدما على  الاستقرار المفقود بالاصل ونستعد للاسوأ القادم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق