الرئيسية

توقعات معهد “ستراتفور” لواقع العراق وجيرانه خلال الأشهر الثلاثة القادمة من 2017

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيكون التركيز الرئيسي في الربع الثاني من العام على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وستحقق المعركة الهادفة للإطاحة بالتنظيم المتطرف من معاقله في المنطقة عدة نجاحات جزئية في الجبهات المختلفة في الأشهر المقبلة. وفي العراق، على سبيل المثال، ستنتهي معركة الموصل، على الأقل في المدينة نفسها. وفي سوريا، فإنّ عملية استعادة مدينة الرقة على وشك أن تبدأ. ولا تبشر هذه الأحداث، وإن كانت ملحوظة، بزوال تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الواقع، سيضاعف التنظيم أنشطته الإرهابية، ليس فقط في منطقة عملياته الأساسية في الشرق الأوسط، بل أيضًا على الصعيد الدولي، في محاولة للحفاظ على وجوده وتأثيره بعد فقدانه للأراضي.
معركة الموصل
بعد خمسة أشهرٍ من القتال، باتت نهاية معركة الموصل في الأفق الآن. وقبل انتهاء العملية، ستنتشر القوات العراقية في معاقلٍ أخرى تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية مثل تلعفر والحويجة لطرد التنظيم من تلك الجيوب. ومع اقتراب المعركة الرئيسية، ستصبح الانقسامات بين المجموعات المكونة للائتلاف العراقي أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى. وستكون مخاطر الاقتتال الداخلي بين الميليشيات الشيعية والكردية والسنية في التحالف مرتفعة خلال هذا الربع، ولاسيما في المناطق الحدودية الشمالية لمقاطعة نينوى.
وقد حسنت قوات الجيش العراقي المشاركة في القتال في المدينة نفسها سمعة الحكومة المركزية بين سكان الموصل. وستساعد هذه الخطوة بغداد على اكتساب الشرعية وتأسيس سلطتها على المدينة. لكنّ استقرار المناطق التي تحتاج لإعادة الإعمار في جميع أنحاء المدينة سيستغرق وقتًا طويلًا بالنسبة لبغداد. ومن شأن تفاقم الانقسامات بين المجموعات الشيعية والسنية والكردية أن يمنعها من التوصل إلى تسوية سياسية متماسكة حول مستقبل محافظة نينوى في هذا الربع من العام. وفي الوقت نفسه، ستواصل إيران وتركيا الحفاظ على نفوذها في العراق، وذلك في المقام الأول من خلال معاركٍ بالوكالة في الأراضي المتنازع عليها، والتي سيتم استعادتها قريبًا من يد تنظيم الدولة الإسلامية. وتدعي كل من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان السيطرة على تلعفر وكركوك وسنجار، الأمر الذي يجعل هذه المناطق أكثر عرضةً للقتال والنزاعات على الأراضي والموارد.
وبينما تستعد الأحزاب السياسية في العراق لإجراء انتخابات المحافظات في سبتمبر/أيلول، ستتاح للقوى الإقليمية مثل تركيا وإيران فرصةً أخرى لمحاولة كسب النفوذ في البلاد. وستستخدم طهران نفوذها بين الأحزاب الشيعية والميليشيات الشيعية فى العراق للضغط على بغداد لإعطاء الأولوية لعلاقاتها مع إيران وعرقلة محاولات أنقرة للانخراط فى عملية التسوية السياسية من خلال الأحزاب السنية. وسيواجه رئيس الوزراء «حيدر العبادي» ضغوطًا سياسية متصاعدة من جميع الأطراف، بما في ذلك الأحزاب القومية العراقية، في محاولة لإرضاء تركيا وإيران والغرب في وقتٍ واحد. وبالإضافة إلى هذا المزيج، ستقدم السعودية بادراتٍ اقتصادية ودبلوماسية فى محاولة لتعزيز علاقاتها مع بغداد. (تضغط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المملكة للمساعدة في تخفيف قبضة إيران على الأمور السياسية والأمنية في بغداد).
الطريق الكردي
وفي كردستان العراق، ستتسبب الخلافات بين مختلف الفصائل السياسية في المنطقة في منعها من تشكيل جبهة موحدة. والواقع يقول بأنّ الانقسامات آخذة في الاتساع. وبدأ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني يوم الجمعة في الضغط على أكبر قوة سياسية تنافسه وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني من أجل زيادة حصته من عائدات النفط في كركوك ولإضعاف تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني مع بغداد. ويعدّ هذا الخلاف خبرًا سارًا لبغداد على الأقل. وفى حالة قيام الاتحاد الوطني الكردستاني بمحاولة أخرى لعرقلة تدفق النفط من كركوك للحصول على تنازلاتٍ من بغداد أو أربيل فإنّ الحكومة العراقية لن تشعر بتهديد كبير كما لو كان الحزب الديمقراطي الكردستاني متواجدًا في الأمر. لكن قد تصبح كركوك نقطة انطلاق هذا الربع، بغض النظر عن تنازع حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان، ناهيك عن الأحزاب الكردية المتنافسة، من أجل السيطرة على المقاطعة وإنتاجها النفطي.
وبالمثل، سيكون كردستان العراق مجالًا رئيسيًا في المنافسة بين تركيا وإيران. وسوف تستخدم أنقرة وجود حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمةً إرهابيةً في شمال العراق كذريعة لنشر قوات بالوكالة في المنطقة للدفاع عن مصالحها هناك. وقد تدرس تركيا، على سبيل المثال، إرسال قوات البيشمركة من روج آفا، وهي ميليشيا كردية متماشية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، للقتال نيابةً عنها في حالة اندلاع نزاعٍ طائفي بعد استعادة الموصل. ومن أجل الحفاظ على مصالحها الخاصة شمالي العراق في مواجهة أنقرة، ستعتمد طهران على قوات الحشد الشعبي الشيعية الموجودة بالقرب من القوات المدعومة من تركيا، بالإضافة إلى علاقاتها مع بغداد.
عودة تركيا
وفي تركيا، يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع منتصف أبريل/نيسان للتصويت على التعديلات الدستورية المقترحة التي قد تغير مستقبل تركيا السياسي. ويعوّل الرئيس «رجب طيب أردوغان» كثيرًا على النجاح في إنجاز هذه الإصلاحات، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من صلاحيات الرئاسة ويحد من سلطات الفروع الأخرى للحكومة. ولكن عندما يدلي الناخبون بأصواتهم يوم 16 أبريل/نيسان، سيكون لديهم مخاوف أخرى في أذهانهم، مثل اقتصاد البلاد المتدهور. وقد أدّت الديون المالية المرتفعة وضعف العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي إلى تفاقم مشاكل تركيا المالية مؤخرًا. وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء أقل من الأغلبية البسيطة التي يحتاج إلى اجتيازها، سيحتفظ حزب العدالة والتنمية الحاكم بالسلطة، على الرغم من أنّ الخسارة ستكون ضربة لحملة «أردوغان» لتعزيز الرقابة المؤسسية.
وفي محاولة لتحسين فرص نجاحه، كان حزب العدالة والتنمية يستخدم المخاوف الأمنية في البلاد من أجل إضفاء الطابع الوطني وإثارة الدعم الشعبي للاستفتاء. وستعزز موجة القومية التي تجتاح تركيا الحزب الحاكم، فاز أو خسر. ومع ذلك، فإنّ نتائج الاستفتاء ستكشف عن حجم التأييد أو المعارضة للحزب الحاكم مما قد يحد من وتيرة الانقسامات في البلاد.
تأثير الهلال الإيراني
ستجرى إيران كذلك تصويتًا هامًا في هذا الربع من العام. وسوف يختار الناخبون في البلاد رئيسهم القادم يوم 19 مايو/أيار. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يحاول السياسيون المتشددون في طهران تجنب تأجيج الصراع مع الولايات المتحدة. كما ستحرص واشنطن على عدم إثارة الأعمال العدائية مع طهران من خلال تغيير الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، خاصةً وأنّ دول مجلس التعاون الخليجي تؤيد الإبقاء على الاتفاق بدلًا من المخاطرة بإلغائه. لكنّ ذلك لن يمنع قوات الحرس الثوري الإيراني من الاستمرار في موقفها الدفاعي المعتاد وإجراء اختباراتٍ صاروخية أو تدريباتٍ عسكرية في محاولة للبقاء داخل اللعبة. وكما أوضح المشرعون الأمريكيون، لن يتردد الكونغرس في فرض عقوباتٍ إضافية على طهران ردًا على أي عدوانٍ قد يحدث.
ومن شأن التهديد بفرض عقوباتٍ جديدة من الولايات المتحدة أن يضاعف المخاوف الاقتصادية بالنسبة للرئيس الإيراني «حسن روحاني» في الانتخابات. وحين يبدأ موسم الحملات الانتخابية في أبريل/نيسان، سيواجه الرئيس الحالي تحدياتٍ من قبل المعارضين في معسكرات إيران المتشددة والمحافظة على حدٍ سواء. وعلى الرغم من أنّ «روحاني» لديه خبرة وزخم وله دوره في الانتعاش الاقتصادي الإيراني حتى الآن، فإنّ المشاكل المالية المتبقية في البلاد سوف تمثل مؤثرًا هامًا على عقول الناخبين وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع. وقد انخفض معدل التضخم في ظل إدارة «روحاني»، لكنّ البطالة لا تزال مرتفعة، وهو ضعفٌ يمكن استغلاله من قبل خصومه خلال الحملة.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الجمهورية الإسلامية للانتخاب، فإنّ أحدَ القوات الموالية لها، وهو حزب الله، قد يخرج عن نسق التصويت في لبنان. ولا يزال حلفاء حزب الله وأعداؤه على خلافٍ بشأن الإصلاحات الانتخابية والميزانية الجديدة، وقد تؤدي خلافاتهم إلى تأجيل الانتخابات المقرر إجراؤها في مايو/أيار. وعلى الرغم من النزاع الحالي، فقد قطعت الحكومة اللبنانية شوطًا طويلًا على مدى الأشهر القليلة الماضية. وقد تمكن رئيس الوزراء والرئيس الجديدان من تغيير القيادة العسكرية، والأهم من ذلك، إحياء قطاع الطاقة الراكد. ويبرز تقدمهم النهج البراغماتي الذي اتخذته الأحزاب السياسية الرئيسية في لبنان في محاولة للتوصل إلى حلٍ توافقي قابل للاستمرار لحل المشاكل المستمرة في البلاد. ولكن إذا استمرت الخلافات العالقة بشأن الإصلاح الانتخابي، فلن يوجد حل كامل.
وكذلك سيكون حزب الله مصدر قلقٍ متزايدٍ لـ (إسرائيل) خلال الربع الثاني من العام. وجدير بالذكر أنّ الحشد العسكري للمجموعة في سوريا خلال الحرب الأهلية هناك، بالإضافة إلى تواجدها المتزايد فى هضبة الجولان، يضعان (إسرائيل) في حالة تأهبٍ قصوى، ويؤجج المخاوف من وقوع حربٍ وشيكة على الحدود الشمالية للبلاد. ولمنع حزب الله من الحصول على قوةٍ أكبر، ستواصل الحكومة الإسرائيلية مهاجمة شحناته من الأسلحة في جنوب سوريا. ومع ذلك، يمكن أن يتصاعد الصراع خلال الربع الثاني.
استراتيجية السعودية للبقاء
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإنّ الربع الثاني سيتوقف على اجتماع أوبك في 25 مايو/أيار. وستكون القمة التي ستبحث خلالها الرياض مع زملائها في منظمة أوبك تمديد قرار خفض الإنتاج الذي تمّ التوقيع عليه في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، نقطة تحولٍ بالنسبة  لمبادرات الإصلاح الاقتصادي للحكومة السعودية. وعلى الرغم من أن تقليص الإنتاج لم يعزز أسعار النفط كما كانت تأمل الرياض، إلّا أنّ المملكة ليست في وضعٍ يسمح لها بمخاطرة الإفراط في مراقبة السوق من خلال إلغاء الاتفاق. ومن شأن القيام بذلك، بعد كل شيء، أن يزيد من زعزعة استقرار أسعار النفط، مما يهدد عائدات النفط السعودية. ويبقى أن نرى ما إذا كانت البلاد قادرة على إقناع بقية الأعضاء في منظمة أوبك باستمرار خفض الإنتاج، وسوف يحدد ذلك كل الإجراءات الاقتصادية الأخرى التي ستتخذها الحكومة السعودية لبقية العام.
أما حول الحرب السعودية على اليمن، ومع دخول جميع أطراف النزاع إلى طريقٍ مسدود، ستدخل الحرب في الربع الثاني حالة من الركود إلى حدٍ ما. وقد أصبحت الانقسامات داخل التحالف العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي ضد الحوثيين في اليمن أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى. وتركز دولة الإمارات العربية المتحدة على تدريب ودعم قواتها في الجنوب. ومن ناحيةٍ أخرى، تتطلع السعودية إلى الولايات المتحدة للمساعدة في التفاوض على حلٍ سياسيٍ لإنهاء القتال. ولكن حتى تتساهل الرياض في دعمها الراسخ للرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي»، ويوافق المتمردون الحوثيون على التخلي عن الأراضي لصالح الحكومة، فإنّ آفاق السلام ستكون ضئيلة. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ستبذل محاولة أخرى لوضع خطة سلام للبلاد، فإنّها لن تحرز تقدمًا يذكر في هذا المسعى.
وتعمل مصادر قوة في الولايات المتحدة حاليا على تقديم المزيد من الدعم للتحالف السعودي والإماراتي. وإذا وافق البيت الأبيض على ذلك، فإنّ الولايات المتحدة ستشارك المزيد من المعلومات الاستخباراتية وستعزز التنسيق اللوجستي مع التحالف الخليجي، وفي الوقت نفسه، ستواصل واشنطن اتباع استراتيجية أكثر عدوانية ضد تنظيم القاعدة في الربع الثاني من العام، نظرًا لأنّ النهج البطيء والمطرد في مواجهة التنظيم، قد مكنه من النمو في اليمن وكذلك في سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق