ترجمات

توقعات معهد “ستراتفور” للربع الثاني من 2017 لأقوى أزمات الشرق الاوسط

نشر معهد «ستراتفور» الأمريكي تقرير توقعاته الربع السنوي والذي يتنبأ فيه بمسار الأحداث السياسية حول العالم خلال الربع الثاني من العام. وأفرد المعهد كعادته مساحة خاصة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يفرد لها الخليج الجديد هذا التقرير.
الحرب الأهلية السورية
تواجه الولايات المتحدة مخاطر متزايدة على مستوى ساحة المعركة السورية خلال هذا الربع من العام، في الوقت الذي تستعد فيه لشن هجومٍ كبير يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة. وكانت ضربتها المحدودة على قاعدة جوية سورية ردًا على هجومٍ سوريٍ بالأسلحة الكيميائية تهدف إلى إظهار حسم الولايات المتحدة في المسائل العسكرية (وهي رسالة لم تمر على كوريا الشمالية مرور الكرام)، لكنّها جاءت أيضًا بالمخاطر.
وقد حاولت روسيا منذ فترةٍ طويلة الاستفادة من ساحة المعركة السورية في مفاوضاتها الأوسع مع الولايات المتحدة، لكنّ الولايات المتحدة لا تترك مجالًا كافيًا للتفاوض مع موسكو. وبالتالي يتعين على روسيا الاعتماد على التأثير السلبي في محاولة جذب الولايات المتحدة للحوار، وسوف تحاول لعب دور المفسد في ساحة المعركة السورية لزيادة المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة في عملياتها هناك. وستكون هناك إمكانية للجانبين للتفاوض حول عدم التصادم، ولكن من المرجح أن ينمو حجم تعاونهما هذا الربع من العام حيث تركز واشنطن على حربها على تنظيم الدولة الإسلامية.
ومع ذلك، ستنشط القوات الروسية في أماكن أخرى في سوريا لدعم هجمات الجيش السوري ضد قوات المتمردين وكذلك تنظيم الدولة الإسلامية في جبهات أخرى مثل دير الزور. وبعد بضعة أشهر مزعجة، انهار وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه روسيا وتركيا وإيران بين المتمردين والموالين في ديسمبر/كانون الأول عام 2016 تمامًا. ويؤكد فشلها عدم جدوى محادثات السلام التي جرت طوال الربع الأول. وفي الربع الثاني من العام، ستؤدي المخاوف الاقتصادية المتفاقمة في سوريا، والتي تظهر بوضوح في نقص الغذاء في البلاد وانهيار العملة، إلى تهديد وجودي للحكومة في الأراضي الموالية لها.
وسيتولى المقاتلون السوريون المدعومون من الولايات المتحدة المسؤولية في معركة الرقة. وستعتمد خطة المعركة الأمريكية، التي تشمل أيضًا نشر القوات الأمريكية، على القوة القتالية الأكثر فعالية المتاحة على المدى القصير، وهي القوات الديمقراطية السورية متعددة الأعراق. وقد قامت القوات الديمقراطية السورية بإنجازٍ سريع في القتال حتى الآن، وقد حاصرت المدينة تقريبًا بمساعدة من القوات الأمريكية المنتشرة حديثًا، كما حصلت أيضًا على دعم المدفعية.
ولكن من خلال الإصرار على الاعتماد على القوات الديمقراطية السورية في معركة الرقة، ستزيد الولايات المتحدة من توتر علاقاتها المتوترة بالفعل مع تركيا. وتشمل القوات عناصر من وحدات حماية الشعب الكردية، وهي ميليشيا تعتبرها تركيا منظمة إرهابية تهدد أمنها القومي. ومع ذلك، فإنّ استياء أنقرة لن يثني واشنطن عن العمل مع تلك المجموعة. وعلى الرغم من أنّ تركيا ستحاول اتخاذ دورٍ أكثر وضوحًا تجاه القوى التي تدعمها، بما في ذلك القوات القبلية العربية المدربة من قبل تركيا، فإنّ الولايات المتحدة سوف تعطي الأولوية للفوز في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الوسائل الأكثر ملاءمة والمتاحة على حساب استرضاء تركيا. ومع ذلك، فإنّ تركيا ستحاول إدخال الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ أعمق في معركة ضد النظام السوري والدفع تجاه مقترحاتها بإنشاء منطقة حظر جوي ومناطق آمنة في سوريا.
ولا تعدّ خطة واشنطن للمعركة في الرقة سوى إحدى المضاعفات العديدة التي ستواجهها أنقرة في سوريا في الربع الثاني. وبحلول الوقت الذي استولت فيه تركيا على مدينة الباب من يد تنظيم الدولة الإسلامية خلال الربع الأخير، كانت قد حققت بالفعل العديد من أهدافها في شمال سوريا تحت راية درع الفرات. لكنها لا تزال تكافح من أجل النجاح في جهودها الرامية إلى إبقاء القوات الكردية بعيدة عن السيطرة على منطقة موحدة من الأراضي في الجزء الشمالي من البلاد. ولتحقيق هذا الهدف، يتعين عليها أن تخطو خطواتٍ خفيفة حتى لا تدوس أصابع روسيا بالخطأ. ويُذكر أنّ تحالف أنقرة وموسكو لم يسر بالشكل المأمول لتركيا فى سوريا، خاصةً بعد أن أحبطت روسيا خطط تركيا للاستيلاء على مدينة منبج.
ومع ذلك، يتعين على البلدين الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة لضمان ألا تنتهي قواتهما إلى مواجهة. وإذا استمر تباين الأولويات في سوريا بين البلدين، قد تبدأ تركيا في البحث عن طرقٍ أخرى لكسب التأثير على روسيا، من خلال الانضمام إلى المفاوضات حول نزاع مرتفعات قرة باغ، على سبيل المثال، أو زيادة التنسيق مع زملائها أعضاء الناتو في البحر الأسود. وعلى الرغم من أنّ تركيا سيكون لها مجال أقل للمناورة في سوريا خلال هذا الربع، إلا أنّها سيظل لديها بعض الفرص لتعميق مشاركتها في شمال العراق.
المعركة ضدّ تنظيم الدولة
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيكون التركيز الرئيسي في الربع الثاني من العام على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وستحقق المعركة الهادفة للإطاحة بالتنظيم المتطرف من معاقله في المنطقة عدة نجاحات جزئية في الجبهات المختلفة في الأشهر المقبلة. وفي العراق، على سبيل المثال، ستنتهي معركة الموصل، على الأقل في المدينة نفسها. وفي سوريا، فإنّ عملية استعادة مدينة الرقة على وشك أن تبدأ. ولا تبشر هذه الأحداث، وإن كانت ملحوظة، بزوال تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الواقع، سيضاعف التنظيم أنشطته الإرهابية، ليس فقط في منطقة عملياته الأساسية في الشرق الأوسط، بل أيضًا على الصعيد الدولي، في محاولة للحفاظ على وجوده وتأثيره بعد فقدانه للأراضي.
معركة الموصل
بعد خمسة أشهرٍ من القتال، باتت نهاية معركة الموصل في الأفق الآن. وقبل انتهاء العملية، ستنتشر القوات العراقية في معاقلٍ أخرى تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية مثل تلعفر والحويجة لطرد التنظيم من تلك الجيوب. ومع اقتراب المعركة الرئيسية، ستصبح الانقسامات بين المجموعات المكونة للائتلاف العراقي أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى. وستكون مخاطر الاقتتال الداخلي بين الميليشيات الشيعية والكردية والسنية في التحالف مرتفعة خلال هذا الربع، ولاسيما في المناطق الحدودية الشمالية لمقاطعة نينوى.
وقد حسنت قوات الجيش العراقي المشاركة في القتال في المدينة نفسها سمعة الحكومة المركزية بين سكان الموصل. وستساعد هذه الخطوة بغداد على اكتساب الشرعية وتأسيس سلطتها على المدينة. لكنّ استقرار المناطق التي تحتاج لإعادة الإعمار في جميع أنحاء المدينة سيستغرق وقتًا طويلًا بالنسبة لبغداد. ومن شأن تفاقم الانقسامات بين المجموعات الشيعية والسنية والكردية أن يمنعها من التوصل إلى تسوية سياسية متماسكة حول مستقبل محافظة نينوى في هذا الربع من العام. وفي الوقت نفسه، ستواصل إيران وتركيا الحفاظ على نفوذها في العراق، وذلك في المقام الأول من خلال معاركٍ بالوكالة في الأراضي المتنازع عليها، والتي سيتم استعادتها قريبًا من يد تنظيم الدولة الإسلامية. وتدعي كل من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان السيطرة على تلعفر وكركوك وسنجار، الأمر الذي يجعل هذه المناطق أكثر عرضةً للقتال والنزاعات على الأراضي والموارد.
وبينما تستعد الأحزاب السياسية في العراق لإجراء انتخابات المحافظات في سبتمبر/أيلول، ستتاح للقوى الإقليمية مثل تركيا وإيران فرصةً أخرى لمحاولة كسب النفوذ في البلاد. وستستخدم طهران نفوذها بين الأحزاب الشيعية والميليشيات الشيعية فى العراق للضغط على بغداد لإعطاء الأولوية لعلاقاتها مع إيران وعرقلة محاولات أنقرة للانخراط فى عملية التسوية السياسية من خلال الأحزاب السنية. وسيواجه رئيس الوزراء «حيدر العبادي» ضغوطًا سياسية متصاعدة من جميع الأطراف، بما في ذلك الأحزاب القومية العراقية، في محاولة لإرضاء تركيا وإيران والغرب في وقتٍ واحد. وبالإضافة إلى هذا المزيج، ستقدم السعودية بادراتٍ اقتصادية ودبلوماسية فى محاولة لتعزيز علاقاتها مع بغداد. (تضغط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المملكة للمساعدة في تخفيف قبضة إيران على الأمور السياسية والأمنية في بغداد).
الطريق الكردي
وفي كردستان العراق، ستتسبب الخلافات بين مختلف الفصائل السياسية في المنطقة في منعها من تشكيل جبهة موحدة. والواقع يقول بأنّ الانقسامات آخذة في الاتساع. وبدأ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني يوم الجمعة في الضغط على أكبر قوة سياسية تنافسه وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني من أجل زيادة حصته من عائدات النفط في كركوك ولإضعاف تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني مع بغداد. ويعدّ هذا الخلاف خبرًا سارًا لبغداد على الأقل. وفى حالة قيام الاتحاد الوطني الكردستاني بمحاولة أخرى لعرقلة تدفق النفط من كركوك للحصول على تنازلاتٍ من بغداد أو أربيل فإنّ الحكومة العراقية لن تشعر بتهديد كبير كما لو كان الحزب الديمقراطي الكردستاني متواجدًا في الأمر. لكن قد تصبح كركوك نقطة انطلاق هذا الربع، بغض النظر عن تنازع حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان، ناهيك عن الأحزاب الكردية المتنافسة، من أجل السيطرة على المقاطعة وإنتاجها النفطي.
وبالمثل، سيكون كردستان العراق مجالًا رئيسيًا في المنافسة بين تركيا وإيران. وسوف تستخدم أنقرة وجود حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمةً إرهابيةً في شمال العراق كذريعة لنشر قوات بالوكالة في المنطقة للدفاع عن مصالحها هناك. وقد تدرس تركيا، على سبيل المثال، إرسال قوات البيشمركة من روج آفا، وهي ميليشيا كردية متماشية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، للقتال نيابةً عنها في حالة اندلاع نزاعٍ طائفي بعد استعادة الموصل. ومن أجل الحفاظ على مصالحها الخاصة شمالي العراق في مواجهة أنقرة، ستعتمد طهران على قوات الحشد الشعبي الشيعية الموجودة بالقرب من القوات المدعومة من تركيا، بالإضافة إلى علاقاتها مع بغداد.
عودة تركيا
وفي تركيا، يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع منتصف أبريل/نيسان للتصويت على التعديلات الدستورية المقترحة التي قد تغير مستقبل تركيا السياسي. ويعوّل الرئيس «رجب طيب أردوغان» كثيرًا على النجاح في إنجاز هذه الإصلاحات، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من صلاحيات الرئاسة ويحد من سلطات الفروع الأخرى للحكومة. ولكن عندما يدلي الناخبون بأصواتهم يوم 16 أبريل/نيسان، سيكون لديهم مخاوف أخرى في أذهانهم، مثل اقتصاد البلاد المتدهور. وقد أدّت الديون المالية المرتفعة وضعف العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي إلى تفاقم مشاكل تركيا المالية مؤخرًا. وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء أقل من الأغلبية البسيطة التي يحتاج إلى اجتيازها، سيحتفظ حزب العدالة والتنمية الحاكم بالسلطة، على الرغم من أنّ الخسارة ستكون ضربة لحملة «أردوغان» لتعزيز الرقابة المؤسسية.
وفي محاولة لتحسين فرص نجاحه، كان حزب العدالة والتنمية يستخدم المخاوف الأمنية في البلاد من أجل إضفاء الطابع الوطني وإثارة الدعم الشعبي للاستفتاء. وستعزز موجة القومية التي تجتاح تركيا الحزب الحاكم، فاز أو خسر. ومع ذلك، فإنّ نتائج الاستفتاء ستكشف عن حجم التأييد أو المعارضة للحزب الحاكم مما قد يحد من وتيرة الانقسامات في البلاد.
تأثير الهلال الإيراني
ستجرى إيران كذلك تصويتًا هامًا في هذا الربع من العام. وسوف يختار الناخبون في البلاد رئيسهم القادم يوم 19 مايو/أيار. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يحاول السياسيون المتشددون في طهران تجنب تأجيج الصراع مع الولايات المتحدة. كما ستحرص واشنطن على عدم إثارة الأعمال العدائية مع طهران من خلال تغيير الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، خاصةً وأنّ دول مجلس التعاون الخليجي تؤيد الإبقاء على الاتفاق بدلًا من المخاطرة بإلغائه. لكنّ ذلك لن يمنع قوات الحرس الثوري الإيراني من الاستمرار في موقفها الدفاعي المعتاد وإجراء اختباراتٍ صاروخية أو تدريباتٍ عسكرية في محاولة للبقاء داخل اللعبة. وكما أوضح المشرعون الأمريكيون، لن يتردد الكونغرس في فرض عقوباتٍ إضافية على طهران ردًا على أي عدوانٍ قد يحدث.
ومن شأن التهديد بفرض عقوباتٍ جديدة من الولايات المتحدة أن يضاعف المخاوف الاقتصادية بالنسبة للرئيس الإيراني «حسن روحاني» في الانتخابات. وحين يبدأ موسم الحملات الانتخابية في أبريل/نيسان، سيواجه الرئيس الحالي تحدياتٍ من قبل المعارضين في معسكرات إيران المتشددة والمحافظة على حدٍ سواء. وعلى الرغم من أنّ «روحاني» لديه خبرة وزخم وله دوره في الانتعاش الاقتصادي الإيراني حتى الآن، فإنّ المشاكل المالية المتبقية في البلاد سوف تمثل مؤثرًا هامًا على عقول الناخبين وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع. وقد انخفض معدل التضخم في ظل إدارة «روحاني»، لكنّ البطالة لا تزال مرتفعة، وهو ضعفٌ يمكن استغلاله من قبل خصومه خلال الحملة.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الجمهورية الإسلامية للانتخاب، فإنّ أحدَ القوات الموالية لها، وهو حزب الله، قد يخرج عن نسق التصويت في لبنان. ولا يزال حلفاء حزب الله وأعداؤه على خلافٍ بشأن الإصلاحات الانتخابية والميزانية الجديدة، وقد تؤدي خلافاتهم إلى تأجيل الانتخابات المقرر إجراؤها في مايو/أيار. وعلى الرغم من النزاع الحالي، فقد قطعت الحكومة اللبنانية شوطًا طويلًا على مدى الأشهر القليلة الماضية. وقد تمكن رئيس الوزراء والرئيس الجديدان من تغيير القيادة العسكرية، والأهم من ذلك، إحياء قطاع الطاقة الراكد. ويبرز تقدمهم النهج البراغماتي الذي اتخذته الأحزاب السياسية الرئيسية في لبنان في محاولة للتوصل إلى حلٍ توافقي قابل للاستمرار لحل المشاكل المستمرة في البلاد. ولكن إذا استمرت الخلافات العالقة بشأن الإصلاح الانتخابي، فلن يوجد حل كامل.
وكذلك سيكون حزب الله مصدر قلقٍ متزايدٍ لـ (إسرائيل) خلال الربع الثاني من العام. وجدير بالذكر أنّ الحشد العسكري للمجموعة في سوريا خلال الحرب الأهلية هناك، بالإضافة إلى تواجدها المتزايد فى هضبة الجولان، يضعان (إسرائيل) في حالة تأهبٍ قصوى، ويؤجج المخاوف من وقوع حربٍ وشيكة على الحدود الشمالية للبلاد. ولمنع حزب الله من الحصول على قوةٍ أكبر، ستواصل الحكومة الإسرائيلية مهاجمة شحناته من الأسلحة في جنوب سوريا. ومع ذلك، يمكن أن يتصاعد الصراع خلال الربع الثاني.
استراتيجية (إسرائيل) للبقاء
إذا استمرت الحكومة الإسرائيلية في انتهاج سياستها الاستيطانية في الضفة الغربية دون اعتراضٍ من البيت الأبيض، من الممكن أن يثير ذلك ردًا عنيفا من قبل الفلسطينيين هناك. وسيلوح خطر تجدد الصراع مع السلطة الفلسطينية على الرغم من أنّ حزبيها السياسيين الرئيسيين، فتح وحماس، سيحاولان تجنب المواجهة مع (إسرائيل) هذا الربع. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن تؤدي الفوارق السياسية بين الطرفين إلى تأجيل الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية المقرر إجراؤها في الضفة الغربية في مايو/أيار.
وسيركز كل من حماس وفتح على أهدافه الداخلية خلال هذا الربع بدلًا من التركيز على سد الصدع بينهما. وتعمل حماس على تعديل ميثاقها السياسي للمرة الأولى منذ عقود، مع كسر التقاليد والاعتراف بالحدود الفلسطينية لعام 1967. ويهدف اتجاه الحركة نحو الاعتدال، وإن كان طفيفًا، إلى الحصول على دعم الشركاء العرب مثل مصر، التي تحتاج حماس إلى دعمها أكثر من أي وقتٍ مضى، بعد أن أصبح فرع سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية يهدد طرق الإمداد ويهدد شرعيتها. ولن تعول (إسرائيل) كثيرًا على جهود الحركة نحو التغيير، وستواصل عملياتها ضد حماس. وفي الوقت نفسه، سيركز قادة فتح على وضع خطة لخلافة زعيم الحزب الطاعن في السن والرئيس الفلسطيني «محمود عباس». وستدفع الخلافات المستمرة بين الأحزاب الفلسطينية المتنافسة الدول العربية في المنطقة إلى المشاركة بشكلٍ أكبر في محاولة لحل الصراع.
استراتيجية السعودية للبقاء
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإنّ الربع الثاني سيتوقف على اجتماع أوبك في 25 مايو/أيار. وستكون القمة التي ستبحث خلالها الرياض مع زملائها في منظمة أوبك تمديد قرار خفض الإنتاج الذي تمّ التوقيع عليه في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، نقطة تحولٍ بالنسبة  لمبادرات الإصلاح الاقتصادي للحكومة السعودية. وعلى الرغم من أن تقليص الإنتاج لم يعزز أسعار النفط كما كانت تأمل الرياض، إلّا أنّ المملكة ليست في وضعٍ يسمح لها بمخاطرة الإفراط في مراقبة السوق من خلال إلغاء الاتفاق. ومن شأن القيام بذلك، بعد كل شيء، أن يزيد من زعزعة استقرار أسعار النفط، مما يهدد عائدات النفط السعودية. ويبقى أن نرى ما إذا كانت البلاد قادرة على إقناع بقية الأعضاء في منظمة أوبك باستمرار خفض الإنتاج، وسوف يحدد ذلك كل الإجراءات الاقتصادية الأخرى التي ستتخذها الحكومة السعودية لبقية العام.
الحرب الأهلية في اليمن
مع دخول جميع أطراف النزاع إلى طريقٍ مسدود، ستدخل الحرب الأهلية في اليمن في الربع الثاني حالة من الركود إلى حدٍ ما. وقد أصبحت الانقسامات داخل التحالف العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي ضد الحوثيين في اليمن أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى. وتركز دولة الإمارات العربية المتحدة على تدريب ودعم قواتها في الجنوب. ومن ناحيةٍ أخرى، تتطلع السعودية إلى الولايات المتحدة للمساعدة في التفاوض على حلٍ سياسيٍ لإنهاء القتال. ولكن حتى تتساهل الرياض في دعمها الراسخ للرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي»، ويوافق الحوثيون على التخلي عن الأراضي لصالح الحكومة، فإنّ آفاق السلام ستكون ضئيلة. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ستبذل محاولة أخرى لوضع خطة سلام للبلاد، فإنّها لن تحرز تقدمًا يذكر في هذا المسعى.
وقد دفعت الأدلة على ضلوع إيران في تدريب وتجهيز المتمردين الحوثيين البنتاغون إلى طلب تقديم المزيد من الدعم للتحالف السعودي والإماراتي. وإذا وافق البيت الأبيض على ذلك، فإنّ الولايات المتحدة ستشارك المزيد من المعلومات الاستخباراتية وستعزز التنسيق اللوجستي مع التحالف الخليجي، فى محاولة للحد من نفوذ إيران فى اليمن، ومحاولة التحكم بمضيق باب المندب الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، ستواصل واشنطن اتباع استراتيجية أكثر عدوانية ضد تنظيم القاعدة في الربع الثاني من العام، نظرًا لأنّ النهج البطيء والمطرد في مواجهة التنظيم، قد مكنه من النمو في اليمن وكذلك في سوريا.
الحرب الأهلية في ليبيا
سيلعب إنتاج النفط دورًا هامًا في ليبيا خلال هذا الربع، حيث تتصاعد الصراعات المتعددة في البلاد. وقد استعاد قائد الجيش الليبي، المشير «خليفة حفتر»، محطتي تصدير النفط، السدرة ورأس لانوف، في شرق ليبيا، بعد أن اجتياح قوات حرس المنشآت النفطية وسرايا الدفاع عن بنغازي لهما في أوائل مارس/آذار. وعلى الرغم من أنّ القتال قد أوقف إنتاج النفط في ليبيا، إلا أنّه من المرجح أن تحافظ ليبيا على مستويات التصدير أكثر من 400 ألف برميلٍ يوميًا طوال الربع.
وفي غرب ليبيا، من شأن التنافس بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة والمؤتمر الوطني العام، وهما اثنتين من الحكومات الثلاث المتنافسة في البلاد، أن يولد الانقسامات في مصراتة وطرابلس. وسيستمر تفشي العنف بين الميليشيات الموالية للحكومات المختلفة في هذا الربع، خاصةً في العاصمة. وعلى النقيض من ذلك، سيكون الدعم الدولي للحكومات الليبية أقل انقسامًا. وستواصل مصر والإمارات دعم «حفتر»، في حين أنّ روسيا ستزيد من دعمها للجيش الذي يقوده «حفتر» أيضا. (ومع ذلك، ما لم يكن حفتر قادرًا على جلب المزيد من القوات البرية للقتال تحت قيادته، سيواجه صعوبة كبيرة في زيادة نفوذه في شرق ليبيا). وعلى الرغم من أنّ الاتحاد الأوروبي سوف يدفع من أجل أن تحل القرارات السياسية بدلًا من المعارك المختلفة في ليبيا، ستبقى المفاوضات في طريق مسدود هذا الربع.
صعوبات الإصلاح في شمال أفريقيا
وفي مناطقٍ أخرى من شمال أفريقيا، ستخوض الحكومة الجزائرية معركةً سياسيةً خاصة بها في هذا الربع، وإن كانت أكثر هدوءًا من غيرها من البلاد. ويشعر مواطنو البلاد بالإحباط منذ أن أقرت الحكومة ميزانية جديدة خفضت فيها الإنفاق العام وزادت من الضرائب. وستكون إجراءات التقشف، التي أثارت احتجاجاتٍ عامة، في أذهان الناخبين وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع فى مايو/أيار لإجراء انتخاباتٍ تشريعية، ومن المتوقع حدوث المزيد من المظاهرات فى غضون ذلك. ومع ذلك، مهما كان نتيجة التصويت، يفتقر البرلمان إلى النفوذ السياسي لإحداث تغييرٍ في النظام السياسي الخاضع للسيطرة الصارمة في الجزائر، حتى لو كانت أحزاب المعارضة أفضل أداءً مما كانت عليه في الأعوام الماضية. وقد مكن العديد من حلفاء الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» المقربين أنفسهم من المناصب الهامة والوزارات خلال الأعوام القليلة الماضية، بما في ذلك رئيس شركة النفط والغاز الوطنية سوناطراك، خلال الربع الأول. وستشتعل المنافسة بين نخبة البلاد من أجل الحصول على نفوذٍ قويٍ في السياسة الجزائرية خلال بقية الربع، على الرغم من أنّ ذلك سيحدث خلف الأبواب المغلقة، بشكلٍ كبير.
المصدر | ستراتفور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق