الرئيسية

العبادي بين طهران والرياض…. تقدير موقف ؟

بقلم المحلل السياسي البارز / نجاح محمد علي
أن يستعيد العراق عافيته فهو ليس مطلوباً وحسب وإنما لا يمكن تحقيق ذلك أو الحفاظ عليه إلا إذا قام العراق بدور فاعل في حل أزمات المنطقة الإقليمية التي تترك تداعياتها وبقوة على مجمل الوضع في العراق الجديد.
رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي، قال في تصريحات حديثة لقناة الميادين، “إن أحداً لم يطلب منه القيام بوساطة بين السعودية وإيران، مشيراً بشكل لافت الى أن البلدين يرغبان في التهدئة وهذا يعني أن مفتاح القيام بدور وساطة بات بيده أو على الأقل فهو في متناول يد رئيس الوزراء”.
ومهما يكن من أمر في شأن حدة الصراع الايراني السعودي على النفوذ في المنطقة، وحجم الاتهامات التي يسوقها الجانب السعودي لايران ، وقدرة المملكة على تحويل بوصلة الصراع من إسرائيل نحو إيران، وقد تجلى ذلك بوضوح في كل الاجتماعات للدول الاسلامية والعربية والخليجية، إلا أن الموقف العراقي المعترض أو المتحفظ، لم يمنع من توجه الرياض صوب بغداد، والإعلان عن الاستعداد لتطبيع العلاقات والمشاركة في إعادة الإعمار.
ويمكن للسيد العبادي كزعيم سياسي يقود حكومة في ظروف محلية واقليمية ودولية بالغة التعقيد، وماحصل عليه في زيارته الأخيرة الى واشنطن من دعم أمريكي غير مسبوق، أن يحسن اللعب بأوراقه خصوصاً الورقة الايرانية ليحولها من خطر داهم أو هكذا تصورها واشنطن وحلفاؤها، الى فرصة تجعل العراق لاعباً أساسياً في الإقليم، مؤثراً غير متأثر بصراعات الدول على مراكز القوة والنفوذ.
العلاقات للتنمية
ومن شأن تحسين العلاقات الايرانية السعودية، أن يجنب العراق قبل كل شيء مخاطر الحروب بالوكالة التي تكلفه الكثير من الدماء والاموال وتحول دون التنمية الاقتصادية وبناء وطن يشعر فيه سكانه أنهم عراقيون يمكنهم أن يكونوا حلفاء لهذه الدولة أو تلك وفق معايير الوطنية والمصلحة العراقية العليا،.وليسوا أتباعاً.
وحتى إذا كانت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ‘دونالد ترامب’ تريد ابتزاز السعودية أكثر من أي وقت مضى بذريعة حمايتها من “الخطر الايراني”، فان من شأن تحسين العلاقات بين طهران والرياض بدور عراقي مميز، أن تعزز من دور الأطراف داخل السعودية وهي كثيرة، وترفض الانجرار وراء حرب غير محسوبة النتائج مع ايران، تطيح برؤية 2030 وكل تفرعاتها الاقتصادية والاجتماعية وتزيد من انتشار الارهاب والتطرف، وهذا الأمر لا يعارضه الرئيس الأمريكي ‘ترامب’إذا ضمن للاموال السعودية بالتدفق الى الولايات المتحدة للاستثمار الداخلي هناك بما يجعله قادرًا على الوفاء بوعوده الانتخابية للمواطن الأمريكي.
صحيح أن ‘ترامب’ يريد أيضاً التصدي لما يصفه بالنفوذ الايراني المتعاظم في المنطقة، لكنه بات يدرك أن ذلك مستحيل في ضوء قدرات ايران المحلية وقابلية ايران على ارباك مخططاته الإقليمية ضدها من خلال اوراقها المتناثرة هنا وهناك، ومن خلال العلاقة المتينة التي بنتها مع روسيا، وكان من أبرز مصاديقها التعاون الوثيق في سوريا، وفِي المجال النووي الذي يجهض أي نية لترامب لالغاء الاتفاق النووي بين ايران والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا.
وبالتالي فانه سيكون بيد السيد العبادي المفتاح السحري للولوج الى حل أزمات الإقليم، ومنه إلى فك عقد العلاقات الايرانية الأمريكية المتأزمة منذ عقود.
الانتخابات الايرانية
ويمكن للسيد العبادي ملاحظة أن واشنطن نفسها سترحب بهكذا دور يقوم به رئيس الوزراء العراقي من واقع أن ايران من جهتها وضعت التشدد في علاقاتها تجاه واشنطن وبالتالي مع حلفائها على دكة الاحتياط ، وهي تستعد لخوض انتخاباتها الرئاسية حيث يواجه الاعتدال الايراني المتمثل بالرئيس ‘حسن روحاني’ جبهتين من الاصوليين والمحافظين المتشددين.
ويمكن ملاحظة خطوة لافتة اتخذها المُشرعون الأمريكيون عندما أجلوا الأربعاء وضع عقوبات جديدة ضد طهران بسبب برنامجها الصاروخي، ذلك لتقليص فرص فوز الأصوليين على الرئيس حسن روحاني في الإنتخابات الرئاسية المقبلة في إيران!.
ويجب أن يكون واضحاً حتى بعد قمة البحر الميت التي حولت بوصلة العداء من اسرائيل الى ايران أن من شأن أيّ تخفيفٍ للتوتّر مع إيران أن يكون تغييرًا مرحبا به من قبل أعضاء مجلس التّعاون الخليجي, لأن دولاً مثل الكويت وسلطنة عمان تخشى أن تؤدّي العلاقات السّيئة لدول المجلس مع ايران   إلى تفاقم الانقسامات الطّائفية الدّاخلية للبلدان، ويزيد من تعقيد عملية الإصلاح المطلوبة منها والتي هي شاقّة في الأساس…
ورغم كل التوتر الذي تظهره التصريحات إلا أن جهوداً تبذلها الكويت في الجانب الخليجي، وسلطنة عمان مع الولايات المتحدة لتلطيف الأجواء مع إيران، لأن هذه الدول ترغب في التفرغ للتّركيز على الإصلاح الاقتصادي والتنمية المحلية، وهي أولوياتها العليا حاليًا. ولتحقيق هذه الغاية، بدأ مجلس التعاون الخليجي علناً- عكس ما يروج له مسؤولون في السعودية ووسائل إعلام معينة – في السّعي نحو تحقيق المصالحة الايرانية السعودية بشكل خاص بعد وقت وجيز من فوز الرئيس الأمريكي ‘دونالد ترامب’.
وكان وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي قد بحثوا في الاجتماع الوزاري الثاني والعشرين للمجلس الوزاري في الرياض عقد حوارٍ استراتيجيٍ مع إيران. ويأتي هذا الاقتراح، إلى جانب موجة النّشاط الدبلوماسي بين طهران والحكومات الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على مدى الأشهر الأربعة الماضية.
رسالة خليجية
وقد بدأت الحملة الدبلوماسية فى ديسمبر كانون أول الماضي عندما صاغ مجلس التّعاون الخليجي رسالةً إلى الحكومة الإيرانية تقترح بدء حوار. وفي 17يناير كانون الثاني ، سلّم وزير الخارجية الكويتي الرسالة إلى الرئيس الإيراني ‘حسن روحاني”، والذي قام فيما بعد في مارس آذار بزيارة إلى عُمان والكويت.
 كذلك أثبتت المملكة العربية السعودية استعدادها للتّعاون مع طهران حول القضايا العملية، وذلك في الشهور القليلة الماضية. وخلال المفاوضات حول خفض إنتاج منظّمة الدول المصدرة للنّفط (أوبك)، على سبيل المثال، قبِلت المملكة اتّفاقًا سمح لإيران بخفض إنتاجها على مستوى أعلى من الدول الأخرى في أوبك التي خضعت للخفض.
كما وجّهت السّعودية الدّعوة إلى إيران لحضور مفاوضات حول إصدار تأشيراتٍ تمكّن الإيرانيين من الذّهاب للحجّ في عام 2017، وذلك بعد انهيار العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي منعهما من التّوصل إلى اتّفاقٍ حول هذه المسألة عام 2016. (كانت المحادثات ناجحة، وقد اختتمت الرياض وطهران الاتّفاق في وقتٍ سابقٍ من شهر مارس).
وإذا استثمر السيد العبادي كل ذاك وتحرك في هذا الاتّجاه، فإنّ عودة العلاقات الدبلوماسية قد تكون في نطاق المتاح بين إيران والسّعودية… وبالوساطة العراقية، ليضع العراق أول قدم له على طريق حل أزمات المنطقة في اليمن وفِي سوريا أيضاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق