الرئيسية

كركوك …مرة أخرى : أزمة مواطنة أم معضلة وطن !.

بقلم الاستاذ / نجاح محمد علي
  تثير قضية كركوك مخاوف جدية حول مفهوم المواطنة المتعثر في ضوء الجدل الدائر حول رفع علم كردستان في المحافظة ، فبينما رأى الكثيرون أن هذه الخطوة إستفزازية، وسيكون لها تأثير سلبي على التعايش المجتمعي داخل المحافظة فضلاً عن أنها منافية للدستور، فإن رئاسة الإقليم اعتبرت أن الأمر قانوني، ورفضت الاستجابة لما قرره مجلس النواب الذي رفض رفع علم إقليم كردستان على المباني الحكومية والرسمية في كركوك.والأكثر من هذا فان رئاسة الاقليم ترى أن رفع العلم الكردي على المباني الحكومية في كركوك صار أمراً واقعاً وأن على بغداد أن تتعامل معه على هذا الأساس.
 وبالتأكيد فإن مسألة رفع العلم حتى وإن كانت أمراً شكلياً ـ إلا أنها الى جانب مسألة تطبيع الأوضاع في كركوك ، تطرح سؤالاً خطيراً عن مستقبل العراق السياسي بين مفهوم المواطنة العراقية وتقسيمه، ليس إلى فدراليات وحسب، وإنما الى أقاليم وكانتونات مستقلة.
وما لم يعمد رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي الى إتخاذ خطوات جدية مستنداً الى الانتصارات التي يحققها في الميدان على داعش، وعلى خصومه السياسيين الذين راهنوا كثيراُ (ويراهنون) على فك الارتباط بينه وبين فصائل معينة في الحشد الشعبي يحسب لها الانفصاليون ألف حساب، فان أزمة العلم في كركوك تهدد بالتأكيد كيان العراق السياسي الواحد، وربّـما تُـمهد إلى تحقيق تفكيك أكبر لعرى المواطنة والشعور بالانتماء في صفوف سكانه.
وفي هذا الواقع لاينبغي التعاطي مع رفض رئاسة الاقليم قرار مجلس النواب الذي جاء بعد أيام من قرار مجلس محافظة كركوك رفع علم الإقليم على المباني الحكومية في المحافظة،وكانه خلاف شكلي كما يريد الأكراد(موحدين) تصويره، خصوصاُ وأنه أيضاُ جاء بعد إجراءات للسيطرة على نفط المحافظة، ما يؤكد أن الأكراد ماضون رغم اختلاف جناحي أربيل والسليمانية على النفوذ والمال والسلطة ، في سياسة فرض الأمر الواقع على حكومة بغداد، مستغلين إنشغال العبادي في معركة الموصل، وفي صد هجوم منافسيه وخصومه السياسيين سواء داخل حزب الدعوة الاسلامية الذي ينتمي له، أو في داخل التحالف الوطني، وكل منهما يجر في تحاتلفاته، النار الى قرصه، قبيل الانتخابات المقبلة.
وبدا واضحاُ من التصويت  داخل مجلس النواب وكان بإجماع الحاضرين، وسط انسحاب للكتلة الكردية من جلسة البرلمان قبيل إجراء التصويت، أن قرار  الكتلة الكردستانية  تعليق حضورها للجلسات في أعقاب القرار، يشير الى عزمها الموحد على الاستمرار في التصعيد ما لم تشاهد شيئاُ من “العين الحمراء” من الحكومة!.
خيارات العبادي
ويمكن للسيد العبادي هذه المرة أن يعزز من دور فصائل معينة في الحشد الشعبي في المعركة لتحرير الموصل دون أن يثير مخاوف الاقليم بل وأن يحرج  هذا الاقليم ومحيط  العراق الاقليمي العربي(الذي يلح على العراق العودة اليه) والتركي، وأيضاً الايراني ، ويقوم بسلسلة إتصالات مباشرة  مع دول الاقليم مستنداً الى جدار قوي من تأييد سكان كركوك العرب والتركمان له، خصوصاً وأن كركوك الغنية بالنفط والذي اعتبر مجلس النواب أن هذا النفط هو ثروة من ثروات الشعب العراقي، ويجب أن يوزع بالتساوي على كل المحافظات، بما فيها إقليم كردستان وفقا للمادة 11 من الدستور العراقي، وكما أنها لا تقع ضمن محافظات إقليم كردستان، رغم أن قوات البشمركة تسيطر عليها أمنياً، ورغم أن غالبية قياداتها الإدارية باتت من القوى السياسية الكردية، إذ يسعى الأكراد منذ سنوات طويلة لضمها إلى إقليمهم، وهو ما يرفضه سكانها العرب والتركمان، ويتنافى مع الدستورالذي حدد المناطق التي تخضع للإقليم، ولم تكن كركوك ضمن هذه المناطق.
 وفي ظل هذا الواقع الخطير من التجاذب العرقي، يصبح من نافلة القول إن الأكراد الذين رفضوا كل المحاولات السابقة لإنهاء الصراع في  كردستان ما لم يتم ضم كركوك للإقليم، أخذوا يروّجون منذ فترة إلى أن كركوك بالنسبة لهم “قدس الأقداس” .
ومع الاعتقاد سلفاً أن الأكراد لم يتخلّـوا يوما عن التفكير بوطن كردي مستقل، ولو طال أوانه، فانهم لن ينجحوا في تأسيس دولتهم الموعودة بدون الثروات الموجودة في كركوك وعلى رأسها النفط، وهو نفس السبب الذي كانت بريطانيا تتذرع به عندما ألحقت ولاية الموصل، التي كانت تضم كركوك بالعراق، وِفق اتفاقية سايكس بيكو، وكانت (بريطانيا) تبني وجهة نظرها تلك على نظرية أن التركمان متعاطفون مع تركيا ولن يشكلوا خطرا على مصالحها الحيوية، لأنهم أقلية تقع بين القوميتين الرئيسيتن، العرب والأكراد.
وعلى أية حال، وحتى إذا صحت روايات كل من الأكراد والتركمان بشأن السكان الحقيقيين لكركوك، فلابد من القول إن من جاء الى كركوك من خارجها، لم ينزل من القمر ولا من المرّيخ، فهو لم يحط رحاله في أرض الجمال باختياره، وأنه نزل بكركوك على قاعدة “خير البلاد ما حملك”، وكانت كركوك، ومنذ القِـدم من خير بلاد لله.
وإذا كان صدّام ومن سبقوه، هم من أوجد هذه المشكلة، فإن العديد من الأصوات ترتفع داعية “عُـقلاء القوم” إلى أن يتفادوا الصفقات السياسية (احملني وأحملك)، وأن لا يقعوا في فخِّ كارثة جديدة تُـضاف إلى الكمّ الهائل من كوارث يضجُّ بها العراق الجديد، لا تعرض مفهوم المواطنة للاهتزاز وحسب، بل تهدد بقوة عرى العلاقات الاجتماعية القائمة بين أسر من عرق واحد، بل من أسرة واحدة..
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق