الرئيسية

السيد مقتدى الصدر وجدلية “الإسلامية والمدنية” ؟

البداية ترجع إلى عام 2003 حيث بناء عراق ما بعد البعث على يد الغزو الأمريكي للعراق، والصراع المستعر حينها بين القوى الفاعلة في الخارطة السياسية العراقية، والتي انقسمت إلى قوى سنية وأخرى شيعية من جانب، وداخل كل قوى من القوتين انقسمت إلى تيارات إسلامية وأخرى علمانية من جانب آخر، لكنها بالمحصلة حافظت على الصبغة الطائفية حتى وان ادعى بعضها العلمانية.
شيعيًا كان الأمر ملفتًا للنظر وأكثر بروزًا وحضورًا في المشهد، حيث انقسمت القوى الشيعية فيما بينها بشأن الهوية السياسية للدولة، فتيار يقوده المرجع علي السيستاني، والذي حاول أن يجمع بينهم تحت عنوان “الدولة المدنية” التي تلتزم حدًّا أدنى من العلمانية للدول مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية العامة للأغلبية المسلمة، في مقابل تيار أصولي شيعي آخر، يسعى إلى تفعيل ما أسماه بـ”أسلمة الدولة” عبر بسط نفوذه في المؤسسة التشريعية والتنفيذية، فضلاً عن توظيف قوى الضغط الميداني الجماهيري لفرض هذه الوجهة.
وهكذا مر العراق طيلة السنوات التالية لمرحلة ما بعد البعث أسير الصراع الثنائي، بين التيار الشيعي وبعضه البعض من جانب، والتيار الشيعي والسني من جانب آخر، ليبقى السؤال: إلى أي الفرق كان ينتمي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر؟
حالة من الجدل تفرض نفسها بقوة عند الحديث عن ميول السيد مقتدى الصدر السياسية، وإلى أي التيارين الشيعيين ينتمي، ففي الوقت الذي يميل فيه إلى تيار الإسلام السياسي الداعم لفكرة أسلمة الدولة، نراه يرفع شعارات مدنية وينادي بالعديد من الدعوات التي تذهب إلى فصل الدين عن الدولة، لكن وعلى مدار مشواره السياسي لم يترجم تلك الشعارات المدنية إلى واقع.. كيف؟
الصدر الذي يمتلك نفوذًا قويًا داخل المؤسسة التشريعية والتنفيذية لم يثبت أن استخدمه ذات مرة للتصدي لمحاولات ما يُعرف بـ”أسلمة الدولة” من التيارات ذات التوجهات الأصولية، أو توظيفه لدعم أي محاولات من شأنها تفعيل الحراك المدني، حتى إن كتلته البرلمانية لم تمانع إصدار قانون يحظر بيع وصناعة الخمور والذي تم التصويت عليه أكتوبر العام الماضي.
تفسير ميول الصدر الإسلامية ليس بالعملية الصعبة، فحين نعود إلى الأيديولوجية الدينية السياسية لحركة الصدر منذ تأسيسها وهو نجل المرجع الشهيد السيد محمد صادق الصدر رحمه الله، نجد أنها في مجملها تميل إلى فكرة أسلمة الدولة، حيث اعتمدت الحركة في مشروعها التأسيسي على ترسيخ أركان الإسلام الشيعي السياسي.
وهكذا حين أراد مقتدى الصدر تقديم مرجعية دينية لتصبح فيما بعد بديلة للتي طرحها علي السيستاني، لجأ إلى تلامذة عمه، محمد باقر الصدر، والمعروف عنهم تمسكهم بمشروع الإسلام السياسي الشيعي ومبدأ ولاية الفقيه بصورة أكثر تشددًا من المؤسس، إلا أنه ومع بزوغ الخلافات بين الصدر وبعض تلامذة عمه وفي مقدمتهم المرجع السيد كاظم الحائري، بسبب بعض التوجهات التي يعتنقها مقتدى وعلى رأسها حركة الاحتجاجات التي يقودها في الداخل والتي من شأنها أن تحدث خرقًا في الصف الشيعي داخل الحكومة العراقية، ها هو زعيم التيار الصدري يسعى لاتخاذ منهج آخر أكثر استقلالية ليس في حاجة للاعتماد على أي مرجعية دينية محددة.
ومن ثم نرى أن السيد مقتدى الصدر – منذ 2003 وحتى الآن –  لم يستقر على رؤية ثابتة في توجهاته السياسية ومرجعياتها الدينية، وهو ما تترجمه بعض الشواهد والدلالات والمواقف التي حدثت مؤخرًا.. فما هي؟
منذ بدأ نشاطه السياسي عام 2003 وحتى الآن، ينتهج السيد مقتدى الصدر، منهجًا متقلبًا في السياسة العراقية، مما دفع البعض لوصف مواقف هذا التيار بالضبابية أحيانًا والمتناقضة أحيانًا أخرى، لا سيما بعدما باتت أكثر الأطراف إثارة للجدل في المشهد العراقي خلال العشر سنوات الأخيرة على وجه التحديد.
البداية كانت عام 2003 حين احتل الأمريكان العراق، وقتها دعا التيار الصدري – على عكس بقية التيارات الشيعية الأخرى – إلى ضرورة مقاومة هذا الغزو والتصدي له أسوة بالتيارات السنية، وبات الحديث عن تعايش بين السنة والشيعة أحد أبرز دعائم الفكر الصدري الجديد.
وفي عام 2006 وحين تم تفجير مرقدي سامراء، انخرط التيار الصدري مع بقية الاطراف في حرب ذات صبغة مذهبية، لا سيما بعد إعلان تشكيل ما عرف حينها بـ”جيش المهدي”، حيث استمرت عمليات العنف والتطهير الطائفي خلال عهد رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، فكان هذا هو التحول الأول.
التيار الصدري الذي تبنى منهج المقاومة ضد الأمريكان ومؤيديهم في العراق، ها هو يمد يد العون لدعم وتأييد حلفاء واشنطن في العراق، مما اعتبر حينها انقلاب على أيديولوجية الصدريين الأولى، فكان هذا هو التحول الثاني.
بعد أن دعم الصدريون نوري المالكي لرئاسة الوزراء نهاية 2006 في مواجهة منافسه عادل عبد المهدي، ها هو ينقلب عليه وذلك بعد اتهامه بالتفرد بالسلطة، ثم وصل الخلاف بينها ذروته حين نفذ المالكي عمليةٍ عسكريةٍ ضد أنصار الصدر عام 2007، فكان رد مقتدى الصدر حينها تجميد أنشطة جيش المهدي كافة في أغسطس من نفس العام 2007.
ومع قدوم الربيع العربي كان الصدر أبرز الداعمين لاحتجاجات التيارات السنية ضد المالكي، حيث اتهمته بتهميشها وإقصاء قياداتها واعتقال عشرات الآلاف من أبنائها، ورغم تأويل البعض لهذا الدعم بأنه توظيف لورقة السنة للضغط على الحكومة، فإن التغير في المواقف كان واضحًا، وكان هذا هو التحول الثالث.
أما التحول الرابع والأكثر بروزًا في مسيرة الرجل الثاني في القيادة الشيعية العراقية، والفتى الذي طالما أثار الجدل ما بين الحين والآخر، هو التصريحات الرنانة التي طالما يطلقها في كل مناسبة بشأن الإصلاح والتصدي للفاسدين، وهو ما جاء على لسانه خلال كلمته الجمعة الماضية أمام أنصاره بساحة التحرير بالعاصمة بغداد حين قال إن “السياسيين لن يعودوا على الشعب بالفساد فحسب بل أصبحوا يملكون المال والسلاح، وسيعملون على تركيع الشعب بالقوة”، مضيفًا أن السياسيين سيحرصون بعد انتهاء معركة الموصل على خلق صراعات ومعارك هنا وهناك لتستمر مخططاتهم الدولية، محذرًا من محاولات سيقوم بها البعض لزج البلاد في صراعات سياسية وطائفية بعد الانتهاء من معركة الموصل لإكمال مخططاتهم.
هذه التصريحات التي طالما رددها السيد مقتدى الصدر خلال السنوات الماضية لم تترجم حتى الآن إلى قرارات أو خطوات تنفيذية، وهو ما أثار الجدل حينها مرارًا، إذ إنها تطرح التساؤل عن الهدف منها، وهذا بدوره يجرنا للعودة مجددًا إلى الحدث الأبرز على الساحة وهو تهديدات الصدر بالقتل والتي أعلنها في كلمته، ليبقى السؤال قائمًا: من الذي يهدد زعيم التيار الصدري بالقتل؟ ولماذا؟
لا يستطيع السيد مقتدى الصدر، ان يحل جدلية الإسلامية والمدنية، بالرغم من تبنيه لاطراف تقود الحراك المدني في بغداد، فالإرث العائلي المرجعي الديني، والعمامة، وتاريخ الحركة الصدرية العائد الى اوائل التسعينات بقيادة السيد الشهيد محمد صادق الصدر، وتياره وطلابه، وتوجيهاته، وتاريخ السيد مقتدى الصدر، نفسه منذ عام 2003 والى اليوم، كلها ركائز إسلامية شيعية بحته وصارمه.
لذلك ستبقى هذه الجدلية تسبب حرجا كبيرا للحركة الصدرية، ولن تنتهي الى فضاءات توافقية بين الطرفين باستثناء طبعا التوافق الانتخابي والتخادم السياسي وهذا بدروه حراك مصلحي ليس له علاقة بمبدأ الإيمان بالفكرة او التبني التام لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق