الرئيسية

“متلازمة” عقدة النقص الطائفية في مشروع حزب البعث الأخير ؟!

الخبير في الشأن السياسي / عبد الله الجزائري
أصبحت التلميحات الطائفية الواضحة، والتي تقترب من التصريح أحيانا، هي المتلازمة المميزة لبيانات ومشاريع حزب البعث العربي الاشتراكي، او بالاصح بقايا هذا الحزب، الذي لم يعد له وجود أكثر من موقع هنا، او بيان هناك، أو لقاء مع ضابط مخابرات اقليمي في هذه الدولة او تلك.
فقد تحول هذا الحزب الى كتلة متناقضات مضحكة مبكية في آناء واحد، بيانات ومشاريع وخطط تتحدث عن حقوق مذهبية او طائفية لشرائح معينة تحت ستار القومية او العروبة او النظام الجديد، ومصطلحات مقاومة رنانة مخلوطة باستجداء دعم دول اقليمية وخارجية لدرجة الاستعداد الرسمي العلني لاية آملاءات خارجية.
قبل عدة أيام أعلن حزب البعث العربي الاشتراكي، بانه أصدر مشروعاً ” وطنياً لإنقاذ العراق “، وقال البعث، ان المشروع جاء بعد، ” دراسات عميقة ومستفيضة لواقع العراق السياسي اجراها ” مفكروه ومنظروه “، مستهدفاً اعادة البناء والإعمار، وتحقيق الديمقراطية، ونشر القيم الخلقية، ورعاية حقوق الانسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية، وتنويع الاقتصاد، والامن والامان والسيادة والاستقرار وبناء القوات المسلحة على أساس وطني ومهني وتحقيق المصالحة والغاء قوانين المسائلة، والاجتثاث ومكافحة الاٍرهاب ، هذا على الصعيد الداخلي.
أما على الصعيد الخارجي فقد دعا المشروع البعثي الى إنهاء الاحتلال الإيراني للعراق، وتصفية فصائل المقاومة والحشد وقياداتها، وارجاع العراق الى محيطه العربي والإسلامي  “اشارة طائفية لإقصاء الشيعة”، والتماهي مع اي مشروع او حلف عربي و إسلامي سياسي او عسكري بالضد من ايران باعتبارها ” الشيطان الأكبر” في قاموسه السياسي.
وأخيراً تضمن المشروع مغازلة ومقاربة لمشروع الرئيس الأميركي ترامب، “النفط مقابل البناء ” لاعمار ما دمره التحالف بقيادة واشنطن ـ حسب أدبيات البعث عن الاحتلال ـ ، هذه الخطوط العامة التي تضمنها المشروع ، وسائر الكلام والنقاط البقية هي حشو ولغو مبين غير مبين.
ولعمري، ان مضمون المشروع مما يُضحك الثكلى ، حينما ينبري من حَكَمَ العراق قرابة أربعة عقود ، سام فيها العراق واهله سوء العذاب يذبح أبناؤه ونساؤه ولا يستحيي منهم الا من كان بعثياً مجرماً او موالياً خائناً ، وخاض بالعراق مع جيرانه حروباً استنزافية واحتل أراضيهم وانتهك معايير حقوق الانسان واستخدم أسلحة الدمار المحرمة دولياً ، فأهلك الحرث والنسل في العراق والمنطقة ، حباً بالسلطة وابتغاءاً لمرضاة اطرافا خارجية مختلفة، وخدمة لمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية ، حتى اذا ارتد السحر على الساحر وانقلبت واشنطن والدول العربية والإسلامية على أعقابها فطردته من الأراضي التي احتلها وأخرجته مذموماً مدحورا ، انقلب مذعناً وموقعاً على بياض في خيمة صفوان وهو من الصاغرين.
ولو كان لدى حزب البعث مفكرين ومنظرين محدثين ومعاصرين ، لما صدر هذا المشروع المتهافت الفاقد لكل مقومات الدراسة الموضوعية والبحث العلمي ، ولو كان كذلك لرجعوا  في بحثهم وتحليلهم للواقع السياسي العراقي وتحليل المشكلة وبحثوا تاريخياً في أسبابها وحيثياتها ، فقد كُتِب المشروع وكأن حزب البعث بريء مما حل بالعراق براءة الذئب من دم يوسف ، او كأنها لم تكن تتمة سياسة رعناء وفاشلة ابتدأها صدام وحزبه ، ولا كانت نتيجة مقدمات تنحدر بجذورها الى حقبة حكم البعث للعراق ، ولو كان حزب البعث يمتلك الشجاعة ويتحلى بالصراحة والانصاف والموضوعية لاعترف بمسؤوليته التاريخية والشرعية والأخلاقية عما يحدث للعراق من دمار وخسران وقضم لجغرافيته شمالاً وجنوباً بسبب مغامراته وطغيانه ، والاعتراف بالخطأ فضيلة ، ولكن عند حزب البعث يعتبرها رذيلة.
فبعد ان كان السبب في صدور قرارات اممية مجحفة بحق العراق تمس كرامته وسيادته وجغرافيته ، عاد من جديد في مشروعه الأخير ” الوطني لإنقاذ العراق ؟! ” الى انتداب العرب والاستقواء بهم لشيطنة ايران ومعادتها وزج العراق في حرب معها ضمن تحالف عربي إسلامي مفترض او قوة ردع وتدخل على غرار اليمن والبحرين ، او سوريا التي خرجت منتصرة ، وليت شعري، هل حققت هذه التحالفات أهدافها في المنطقة أم انها أعلنت افلاسها وخسرانها وعدم امتلاكها مقومات النصر ، فانهزم المشروع الإرهابي قبل ان ينطلق ، وكذلك حزب البعث قد خصم نفسه قبل ان يطرح مشروعه.
دعا المشروع البعثي الى اعتماد خطة ” النفط مقابل البناء ” الذي يشبه الى حد ما عنوان ” النفط مقابل الغذاء ” ، وفِي العنوان الاول وحيُ ورسالة وبيان بلسان سياسي مبين الى الادارة الأميركية الجديدة بقيادة ترامب الذي رفع نفس الشعار ، ومفاد الرسالة ان حزب البعث في سبيل العودة الى السلطة سيعيد العراق الى سيرته الاولى وسيكون أميركيا بامتياز وملكي اكثر من ملوك ومشايخ الخليج ، وسيؤمن الطاقة وإمدادها للاسواق الأميركية وسيضع الاحتياطي النفطي العراقي بين يدي الشركات الأميركية حصراً، ويحقق اهم أهداف استراتيجية الامن القومي الأميركي بعد أمن الطاقة واعني أمن اسرائيل وعزل ايران عن محور المقاومة في المنطقة، والحد من نفوذها وتدخلها ، وعزل المؤسسة الدينية عن الحياة العامة والشأن السياسي وضمان عدم صدور فتوى ولائية بالتطوع والجهاد الكفائي ، وقصارى القول ان مشروع حزب البعث في حقيقته من اجل استعادة السلطة والحكم واستئناف سياسة الحزب السابقة التي استهدفت زعزعة المنطقة وتهيئة المناخ لتكريس وترسيخ الحضور والاستثمار العسكري الأميركي ، ولكن دأب كاتبو المشروع على مراعاة مقتضيات ومفاهيم نظام العولمة وعصر الحداثة في صياغته وحباكته فخرج بحلة جديدة يستظهر الوطنية ويستبطن نفس الافكار البعثية الطائفية، ونفس طرق الاساليب الملتوية المتناقضة التي تحرم على الآخرين اشياء، وتبيحها لحزب البعث في نفس البيان.
على العموم أتصف مشروع البعث بالعمومية والطائفية، حيث طغت العموميات في الفقرات التي تتحدث عن واقع النظام السياسي الجديد البديل، ما بعد العملية السياسية وكيفية وصفه أو تحقيقة، اما الطائفية والصراحة فقد تجلت في وضوح النقاط التي اشارت الى تحجيم دور الشيعة في العراق، ابتداء من دعوته لمحاصرة المرجعية بتأسيس مجلس أعلى للأديان، وانتهاء بالتركيز على كل ماله علاقة بهم في كل مؤسسات الدولة، وكأن البيان صمم بالاساس من قبل لجنة مذهبية دينية سلفية، وليس من قبل حزب يدعي انه قومي علماني، لايخضع للتاثيرات المذهبية.
مشروع البعث الأخير لم يأتي بجديد سوى أنه أكد أن البعث او بقاياه هي أسوء فهما وسياسية وممارسة من السابق بكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق