الرئيسية

فورين بولسي: في الموصل وداعاً “للدولة الإسلامية” وأهلاً بالفوضى

في صباحٍ هادئ، في أواخر فبراير/شباط الماضي، اخترقت قافلة من سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة ضواحي شرقي الموصل، بسرعةٍ كانت تصل أحياناً إلى 75 ميلاً في الساعة في بعض الطرق الترابية. وكان الرجال المُسلَّحون المُلثَّمون الذين ملأوا مقصورات السيارات يدخنون السجائر بعصبية، بينما انطلقت موسيقى الحرب من الراديو.

وكان يجثم 3 رجال مُقيَّدين بشرائط من الملابس في خلفية إحدى الشاحنات، وسُحِبَت قمصانهم فوق رؤوسهم كي تُغطّي وجوههم. وبدا أصغرهم في عُمر الـ15 عاماً. وكان الثلاثة قد اعتُقِلوا قبل دقائق على خلفية الاشتباه في تبعيتهم لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي انسحب إلى غربي الموصل، في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، لكنَّه ترك وراءه شبكة من الخلايا النائمة، وذلك وفقاً لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية.

واصلت قافلة جهاز الأمن الوطني العراقي، وهو فرعٌ تابع للمخابرات العراقية، المسير حتى وصلت إلى حيٍّ آخر. وانطلق أعضاء جهاز الأمن الوطني في الأزقّة ليداهموا منازل المشتبه بهم. وفي الوقت نفسه، توقَّفت عرباتٌ مُدرَّعة من طراز هامفي، مطبوعٌ عليها أسود بابل السوداء، وخرج منها جنود عراقيون غاضبون من الفرقة الـ16 بالجيش العراقي مُمسكين بأسلحتهم في أيديهم.

وصاح أحد ضباط الفرقة 16، مُوجِّهاً حديثه لرجال جهاز الأمن الوطني العراقي: “ماذا تفعلون؟ إنَّكم لم تنسِّقوا معنا”.

فرَّد أحد أعضاء جهاز الأمن الوطني: “مهلاً! إنَّنا نقوم بعملنا فحسب!”.

ومع بدء هذه المواجهة، انتبه جنود الفرقة 16 إلينا. وصرخوا: “لا تُصوِّرونا! سنأخذ كاميراتكم”.

ومع تطويق القافلة بمُدرَّعات الفرقة 16، لم يكن رجال جهاز الأمن الوطني قادرين على المغادرة. وقال أحد ضُبَّاط الفرقة 16: “ستأتون معنا”، وبعد ذلك رافقهم الجنود إلى نقطة تفتيش قريبة، حيث استمر الجدال. وبدا كما لو أنَّ مهمة إلقاء القبض على مقاتلي تنظيم الدولة ربما تنتهي بدلاً من ذلك بإلقاء أفرع القوات العراقية المتنافِسة القبض على بعضها البعض.

مشاهد متكررة

تُعَدُّ مشاهد مثل تلك شائعةً في المناطق المُحرَّرة في الموصل اليوم. إذ تتواصل معركة غربي الموصل، آخر المعاقل الحضرية الرئيسية لداعش في العراق، لكنَّ القوات العسكرية التي طردت التنظيم الجهادي من شرقي المدينة تتنافس الآن فيما بينها من أجل كسب النفوذ، بدلاً من التعاون من أجل الحفاظ على النظام. ويأتي التنافس بين هذه المجموعات على حساب الجهود الرامية إلى التصدي لخلايا داعش النائمة، التي بدأت حملة تفجيراتٍ انتحارية في المناطق المُحرَّرة.

وبعد أشهرٍ من إعلان تحرير شرقي الموصل، يبدو أنَّ هناك القليل فقط من التخطيط فيما يتعلَّق باستعادة الأمن، ناهيك عن المصالحة وإعادة الإعمار.

وقال مُوفَّق الربيعي، مستشار الأمن القومي السابق، لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية: “لا تُوجَد خطة لدى الحكومة العراقية لما بعد الموصل. لم أرَ أي خطة. أسلوب قيادة البلاد هو التهرُّب من المواجهة”.

وينفي المسؤولون العراقيون هذا الادِّعاء، قائلين إنَّهم يضعون حالياً استراتيجيةً لاستعادة الأمن والخدمات إلى المدينة التي مزَّقتها الحرب.

وقال وليد البياتي، مستشار محافظ نينوى: “بالتأكيد هناك خطة”، مشيراً إلى وثيقةٍ من 6 صفحات تستعرض مبادرات إعادة الإعمار وإحياء الحياة الاقتصادية في المدينة.

واستعرض مسؤولٌ رفيعٌ آخر، طلب عدم الكشف عن هُويته، خطةً للحكومة المركزية في بغداد لتحمُّل مسؤولية الأمن، في حين تتعامل الحكومة المحلية مع الشؤون الإدارية اليومية. وقال: “تتمثَّل الرؤية في إعادة تعيين المُحافِظ والحكومة المحلية، لكنَّهم سيُركِّزون على الخدمات والأمور المدنية. وسيكون الأمن مسؤولية الأجهزة الأمنية هناك، وهذا يعني أنَّه سيكون هناك مزيج من القوات الاتحادية والمحلية لفترةٍ مُعينة”.

وقد يُعقِّد مزيج القوات هذا العلاقات داخل القوات الاتحادية المفكَّكة بالفعل فيما بينها. إذ تفتقر وكالات الدفاع والمخابرات العراقية العديدة لقيادةٍ مُوحَّدة، وتخضع لمنظومةٍ مُربِكة من المسؤولين السياسيين المُعيَّنين في وزارتي الدفاع والداخلية، ومجلس الأمن القومي، ومكتب رئيس الوزراء. وقال ديفيد ويتي، العقيد المتقاعد في القوات الخاصة الأميركية، والخبير بالجيش العراقي: “إنَّهم كالإقطاعيات، فالجميع يتنافسون على الموارد والسلطة”.

ويبدو أنَّ بعض المسؤولين العراقيين يشعرون بفخرٍ إزاء نقص التعاون هذا.

فقال المُقدِّم الركن منتظر الشمري، آمر قيادة العمليات الخاصة العراقية الثانية: “إنَّنا لا نُنسِّق مع أحد. إنَّنا نحصل على أخطر قضايا الإرهاب، وبعد ذلك نهتم بها بأنفسنا”.

محاولة تهدئة الوضع

وخلال عملية المداهمة الأخيرة، تحرَّك أكبر ضُبَّاط جهاز الأمن الوطني بسرعة لتهدئة الوضع مع جنود الفرقة 16. فقد أجرى إسهام محمود، نائب رئيس جهاز الأمن الوطني في نينوى، وأحد السكان المحلِّيين في الموصل، اتصالاتٍ مع مسؤولين رفيعي المستوى لتخفيف حدة التوتُّر. وبعد مواجهةٍ سادها التوتُّر، جرى التوصُّل إلى تسوية: أن ترافق إحدى مُدرَّعات الفرقة 16 رجال جهاز الأمن الوطني خلال ما تبقَّى من عملية المداهمة.

وبعد المداهمة، استلقى محمود في كرسيٍ مُريح، وكان مُتعباً، لكنَّه مُبتهجاً بالتقدُّم الذي أحرزه فريقه.

وقال: “إنَّها مهمةٌ صعبة، لكنَّنا نُحرز تقدُّماً. علينا أن نبني جسور الثقة مع المدنيين، وهذه الثقة يجب أن تكون متبادلة. عليهم أن يثقوا بنا، وعلينا أن نكون قادرين على الوثوق بهم”.

لكن أولاً، على القوات الأمنية العراقية أن تبني جسور الثقة بين بعضها البعض. إذ لا تُسوَّى جميع الخلافات هكذا بطريقةٍ سلمية. فقد أسفر جدالٌ مُشابِه بين جهاز الأمن الوطني وقوات العمليات الخاصة، في 6 فبراير/شباط الماضي، عن تبادلٍ لإطلاق النار أدَّى إلى مقتل ضابط في قوات العلميات الخاصة شرقي الموصل.

كما أن هناك تحديات أمنية أخرى، إذ إنَّه ليس هناك من الجنود ما يكفي لتأمين شرقي المدينة، في ظل تركيز الكثيرين على المعركة غربي الموصل. وقال فيصل جبير، الأكاديمي الذي وُلِد في الموصل، وعاد من الخارج من أجل دعم الميليشيات السُّنِّية المحلية: “هناك حظر تجوال يبدأ الساعة 5:30 مساءً، لكنَّ نقاط التفتيش تكون خالية في الليل. إنَّهم إمَّا خائفون أو كُسالى”.

وكان جبير يشير إلى الفرقة 16، وهي القوة العسكرية الرئيسية الموجودة شرقي الموصل. وشُكِّلت الفرقة من بقايا الفرقة الثانية، التي فرَّت من الموصل دون قتال عام 2014، والتي دائماً ما عانت من ظاهرة “الجنود الأشباح”، وهم جنود غائبون لكنَّهم مُسجَّلون في كشوف الرواتب، يدفعون جزءاً من رواتبهم أو كلها إلى الضابط المسؤول عنهم كي يبقوا في منازلهم. وقبل سقوط الموصل في قبضة داعش، أُلحِق هؤلاء الجنود المهمومون، الذين ينحدرون من جنوب العراق ذي الأغلبية الشيعية، بنقاط تفتيش المدينة التي كانت تُعاني من نقص الجنود، وكانت هذه النقاط تتمتَّع بسمعةٍ سيئة بين سكان الموصل نتيجة عدوانيتها، وهو ما أدَّى بالتبعية إلى استهدافهم المستمر من جانب هجمات وتفجيرات المُتمرِّدين.

وإذا كان التنافس بين الوحدات الاتحادية يُعقِّد عملية استعادة الأمن في الموصل، فإنَّ إدخال مجموعةٍ من الميليشيات الشيعية الموالية للحكومة قد أضاف المزيد من الأطراف المُسلَّحة إلى الوضع المُتفجِّر بالفعل. وقد كُلِّفت الوحدات شبه العسكرية ذات الغالبية السُّنّيّة، بما في ذلك “قوة فرسان الموصل” التي ينتمي جبير إليها، بحصةٍ كبيرة من المسؤوليات المُتعلِّقة بالأمن اليومي في الموصل، لكنَّها تفتقر إلى الجنود اللازمين لتأمين المدينة بكفاءة.

وفي هذه الأثناء، أسَّست قوات الحشد الشعبي وجوداً لها في الموصل. وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد قال في البداية إنَّ الحشد الشعبي سيستبعَد من عملية استعادة الموصل. وفي حين تتمركز معظم قوات الحشد الشعبي في الصحراء غربي الموصل لمنع مقاتلي داعش من الفِرار إلى سوريا، فتح عددٌ من المجموعات، بما في ذلك منظمة بدر، وقوات العباس، وكتائب حزب الله، مكاتب لها شرقي الموصل.

ويُعتقَد أيضاً أنَّ الميليشيات الخاصة بعِرق “الشبك” العامِلة شرقي الموصل قد عُزِّزت بأعضاءٍ من ميليشيات شيعية خاضِعة للنفوذ الإيراني. ويُمكن رؤية هذه الميليشيات، التي أُنشِئَت في البداية بهدف الدفاع عن قرى الشبك خارج المدينة، بانتظامٍ في مركز المدينة. وقال جبير إنَّ “دورياتهم كثيراً ما تدخل مع أعلامها وراياتها المُلوَّنة إلى مدينة الموصل خلال اليوم، وتحمل في بعض الأحيان مُكبِّرات صوت تُردِّد نشيدهم، الذي يدور عادةً حول السعي للثأر لمقتل الإمام الحسين”.

اثيل النجيفي : “المليشيات أقوى من العبادي”

ويُهدِّد إدخال قوات الحشد الشعبي الشيعية إلى شرقي الموصل بزيادة قوة الأطراف التى تُروِّج لنفسها على أنَّها الصوت الأصيل للغالبية السُّنّيّة في نينوى، وتُصوِّر منافسيها على أنَّهم بيادق في يد إيران.

وقال محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي لمجلة “فورين بوليسي”، إنَّ “الميليشيات الشيعية أقوى من العبادي الآن في بغداد”.

فَقَدَ النجيفي منصبه بعد سقوط الموصل، وفرَّ إلى أربيل، حيث أنشأ قوةً من بضعة آلاف مقاتل بموافقة حكومة إقليم كردستان ودعم تركيا. واليوم، يحتفظ بقدرٍ من النفوذ، ويُعارِض عودة نفس السيطرة الاتحادية على نينوى كما كانت من قبل. وقال: “لن يوافق الناس في الموصل أبداً على أن يسيطر عليهم الشيعة، أو أن يكونوا خاضعين للساسة الشيعة”.

وأبعدت الحكومة الاتحادية في بغداد حرس نينوى، الذي كوَّنه النجيفي، عن معركة الموصل، كما تمنعه مذكرة توقيف صادرة بحقه من العودة. ومع ذلك، يُحذِّر النجيفي من أنَّ إبعاد القادة السُّنّة من أمثاله عن العملية السياسية يُهدِّد بإعادة أخطاء الماضي. وقال: “ستعمل معظم هذه القوى السُّنّيّة تحت الأرض”.

وتواصل قوته التدريب في إقليم كردستان شمالي الموصل بانتظار فشل استراتيجية الحكومة المركزية لاستعادة النظام في المدينة. وقال النجيفي: “أنا متأكِّدٌ من أنَّها ستفشل، لأنَّه في داخل المدينة الآن لا تُوجَد خدمات، ولا تُوجَد إدارة، وقوات الأمن ضعيفة للغاية”.

لكنَّ الكثيرين في بغداد ينظرون إلى النجيفي باعتباره عقبة، وليس شريكاً أمنياً محتملاً. ففي مايو/آيار 2015، صوَّتت أغلبيةٌ من أعضاء البرلمان العراقي لصالح عزله من منصب محافظ نينوى بسبب الفساد والتواطؤ في سقوط الموصل في قبضة داعش. ووصفته وثائق داخلية تعود إلى المجموعة السابقة للتنظيم بأنَّه كان متعاوناً معها في الماضي.

وقال المسؤول الأمني الرفيع، الذي رفض الكشف عن هُويته مشيراً إلى النجيفي: “إنَّه جزءٌ من المشكلة، وليس جزءاً من الحل”.

وتُعد هذه الفوضى هديةً لداعش، الذي يحاول إعادة بناء حكمه القائم على الخوف في المناطق المُحرَّرة. فقد أطلق التنظيم حملة تفجيرات انتحارية في شرقي الموصل المُحرَّر، ونفَّذ ما لا يقل عن 6 تفجيرات منذ ديسمبر/كانون الأول. وقبل يومين من المداهمة التي قام بها جهاز الأمن الوطني، فجَّر عضوٌ آخر في داعش نفسه عند تقاطعٍ مزدحم. وقبل ذلك بأسبوع، استهدف انتحاري مطعماً شعبياً عند نفس التقاطع.

وقد أعاق الوضع الأمني عملية استعادة الخدمات في المدينة. ولا تزال معظم الأحياء بدون مياه جارية، أو كهرباء، أو رعاية صحية مقبولة. وأُعيِد فتح المكاتب الحكومية لفترةٍ وجيزة في شرقي الموصل، وكان الموظَّفون المدنيون يُنقَلون يومياً بالحافلات من أربيل، حيث كان يعيش الكثيرون منهم. لكنَّ الحافلات توقَّفت بعد ذلك بعدة أسابيع في منتصف فبراير/شباط. وقال جبير إنَّه “لا أحد يريد الذهاب إلى هناك بسبب الوضع الأمني”.

وبالنسبة لشرطي كان يقف في موقع آخر التفجيرات، ويركل شِلواً لم تُعرَف هُوية صاحبه، بدا أنَّ الوضع السابق الذي لا يُطَاق كان في طريقه للعودة. وقال: “رأيتُ هذا النوع من الأمور كثيراً من قبل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق