الرئيسية

الأغلبية الأخرى

بقلم الكاتب والمفكر العراقي / مهند الساعدي

شكل التيار الاسلامي الديمقراطي المدني اليوم ، المساحة الاوسع داخل الحركة الاسلامية في العالم ، والإسلاميون اليوم لا يقدمون انفسهم اصيلاً او بديلاً عن المجتمع الاسلامي ، فالإسلاميون ما هم إلا فئة معينة من المسلمين ، يمتلكون رؤية محددة شاملة للكون والمجتمع ، تُرضيعُ ، وتغذي المجال الإنساني كله ، بما يخرجه عن الذرائعية البحتة ، ويضيف الى قيم المنفعة والواجب الاخلاقي ابعاداً أوسع .

وهذا التيار اليوم هو الاخر تيار واسع ، يضم الاسلاميين بمختلف درجاتهم ، واجتهاداتهم ، وتجاربهم ، وخلفياتهم الاجتماعية ، والحضارية، والسياسية ، والمناطقية والإقليمية .

لان من اهم ميزات الاسلام ، بما هو ظاهرة تاريخية ، انه لم يتجسد او يتموضع في كنيسة واحدة ، او مؤسسة بابوية واحدة ، او مذهب ورأي واحد ، بل كانت حركة الاسلام الدينية والثقافية متنوعة ، تنوع المدارس الكلامية والمذاهب الفقهية . فلا يوجد تفسير رسمي ، او قراءة رسمية للاسلام مقابل قراءات اخرى توسم انها غير رسمية .

فلا الأزهر ولا النجف ولا قم ولا الزيتونة ولا مدارس مكة ولا فقهاء المدينة ، هم او احدهم ، اصحاب الحق في احتكار راي الاسلام او الافتاء باسمه .

كذلك ليس الاخوان ، ولا الدعوة ، ولا التحرير ، ولا الحركات الجهادية ، ولا التيار السلفي ، ولا الصوفية ، هي وحدها التي تعبر عن القراءة الاخيرة للاسلام . فالتيار الاسلامي ببساطة هو تيار كبير ، كان بالامس يضم الخوارج والخليفة في مدينة واحدة ، واليوم هُو يضم جميع الطيف الشامل ، من أيمن الظواهري وابي بكر البغدادي ، الى حسن روحاني ورجب طيب اردوغان .

لكننا نستطيع ان نقول بكل ثقة ، ان التيار الاكثر اعتدلاً ، والأكثر قبولاً للديمقراطية ، هو التيار الاكبر ، وهو التيار الذي تكتسب تجاربه اتساعاً مطرداً ، والذي تجاوز المقابلة الساذجة بين الدين والديمقراطية ، التي كانت تفترض ان الدين هو حكم الله ، وان الديمقراطية هي حكم الشعب ، صارفة الفكر ، والنظر ، والتأمل من ان الديمقراطية هي تجربة انسانية ناجحة ، وهي ابنة شرعية للمجتمع الذي يقررها ، ويصنعها ، تشبهه كما يشبه كل مولد أباه ، فهي تشبه مجتمعها في دينه ، او أديانه ، ومذاهبه ، وأعرافه ، وحلاله وحرامه، وتجاربه ، ومغذياته الروحية والقانونية . فكما اتسع الاسلام لنفسه ولم يضق بها ، كذلك تتسع الديمقراطية لنفسها ولا تضيق ببيئة او قيمة او نمط حياة مختلف .

والإسلاميون اليوم مطالبون بما كانوا يطالبون به غيرهم ، ايام المحاولات الطويلة التي عملت على ابعادهم ، وتهميش دورهم في المجال الاجتماعي والسياسي ، وتقييد حرياتهم ، وعدم مساواتهم بغيرهم . فنحن اليوم مطالبون بعدم التضييق على حريات الناس ، او خياراتهم الطبيعية في الحياة ، وحفظ حقوقهم الوطنية الطبيعية ، وعدم إخافتهم واقلاق وجودهم في البلدان المتنوعة التكوين ، والمتعددة الأديان والمذاهب والمشارب والاحزاب والاتجاهات السياسية .

ومر ذلك ان نعلم : اننا ونحن في مرحلة الانتقال من أنظمة الحكم القمعية الشمولية ، الى نظام الحكم العادل والرشيد ، الذي يحتكم لآليات الديمقراطية ، انما ننتقل من النقيض الى نقيضه ، لا كما تنتقل الحكومات والدول من نظام الى اخر ، ومن حكومة الى اخرى على قاعدة مجتمعية وسياسية وقانونية واحدة مستقرة ، لا تكاد تترك للتغير الا هامشاً ضئيلا يتعلق ببعض اتجاهات الاقتصاد والسياسات الضريبية والضمان الاجتماعي او تطبيق ملاحظاتها على السياسات الخارجية والأمن .

ومنه ان نعلم : ان الديمقراطية الحديثة انما هي خير تمثيل وتجسيد لقيمة الشورى التي ضاعت وتم التفريط بها من قبل المسلمين على امتداد قرون طويلة من تاريخ الحكم والخلافة والسلطان ، حيث بقيت تمثل مفهوماً اسلامياً راقياً ، وممارسة متقدمة لم يكتب لها الرسوخ والاستمرار ، عندما انقلبت عليها العشائرية ،والملكية المستبدة ، والوراثة العائلية ، والغلبة بالقوة . فتحولت الشورى الى مفهوم معلق في التاريخ ، لا يجد مساحة يحط عليها ، حين ضاقت الارضيّة التاريخية للمسلمين بالشورى ، ولم تتح لها مجالا تجريباً يحولها الى علاج نافع لازمة السلطة التي عانت منها المجتمعات الاسلامية في تاريخها . حتى جاءت الديمقراطية كتجربة اجتماعية انسانية طبقت على المجال السياسي فكانت خير ممثل لقيمة الشورى ، وترسخت في العالم الحديث كممارسة لا نقول انها مثالية ، لاكنها الافضل والأنفع من غيرها .

ثم لنعلم : ان الأغلبية ، في التجارب الديمقراطية التي انتقلت من النقيض الى النقيض ، ليست هي الحل المثالي لكافة أزمات ومعضلات الدولة ونظام الحكم . فالأغلبية تملأ احدى كفتي الميزان العادل ، لكن الكفة الاخرى يجب ان تقوم على قاعدة من المشتركات السابقة وجوداً ، على التجربة الديمقراطية ، والاحتكام للانتخابات ، والتصويت ، والاخذ برأي الأكثرية .

وهذه القاعدة هي التي تؤسس على قيم دولة المواطنة ، وضمان الحقوق ، وتبديد المخاوف ، واثبات ما هو عكس النفاق الديمقراطي الذي اتهم به التيار الاسلامي . الذي كان ينظر اليه على انه راكب ديمقراطية وليس راع لها .

فمن دون هذه القواعد المشتركة للتعايش ، والثقة ، وضمان عدم التغول من خلال استغلال نتائج ومخرجات العملية السياسة ، لن يكتب للانظمة الديمقراطية الفتية ان تكون سبباً كافيا للاستقرار والتقدم .

ان معنى الأغلبية لا يقوم على افتراض ان الأقلية فقدت مساحتها بالغلبة ، او ان الحصول على هذه الأغلبية هو فرض لمشروعها ، او تنفيذ لرؤيتها من دون مراعاة الارضيّة المشتركة التي يقوم عليها الوطن والمجتمع .

ان الأغلبية الانتخابية ، التي يفرزها التصويت . يجب ان يقابلها أغلبية معادلة ، سابقة عليها ، هي الأغلبية التي تتوافق على قواعد عامة مشتركة للعيش في الوطن الواحد وان لا يفرض عليها ما لا تريد او تتفق عليه مع الشركاء في الوطن .

اي ان الأغلبية : تاتي لتطبيق ما تم الاتفاق عليه ، وليس لفرض ما جرى الاختلاف فيه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق