ترجمات

محاولة السعودية المهتزة للبحث عن الدعم في جنوب شرق آسيا

مفتي ماليزيا يقبل جبين الملك سلمان

أمضت مدن وعواصم في أنحاء آسيا الشهر الماضي في طرح السّجادة الحمراء لزائرٍ لا يرى إلا نادرًا، وهو الملك «سلمان» ملك السعودية، برفقة وفدٍ دبلوماسي يضمّ المئات من كبار الأمراء ورجال الأعمال والوزراء. وقضى الملك شهر مارس/آذار في ماليزيا وإندونيسيا وبروناي واليابان والصين والمالديف، حيث بذل جهودًا متضافرة لتعزيز الروابط التجارية السّعودية مع الاقتصادات الآسيوية سريعة النمو.

ولا يذهب آل سعود في العادة في زيارات دولية طويلة، ولم يزر ملك سعودي إندونيسيا منذ أكثر من نصف قرن. لذا فإنّ التزام الملك السّعودي بهذا الشهر في هذا الجزء من العالم يشير إلى المزاج الحكومي الجديد بعد سلسلة من سوء التقدير الاستراتيجي.

ويعتري الحكّام السعوديون دائمًا القلق حول احتمال العزلة الدبلوماسية، وتعتبر العلاقات الأقوى مع آسيا جزءًا من الأجندة المعتادة. لكنّها أصبحت الآن شريان حياة قد ينقذ المملكة من رهاناتها السيئة في الشرق الأوسط. ولم تؤتي جهود المملكة ثمارها في محاولاتها الأخيرة لتسوية منافستها المستمرة مع إيران. وبعد إغراق العالم بالنّفط الرخيص لخفض الأسعار والإضرار بإيران، تعاني السّعودية الآن من عجز الموازنة، الأمر الذي أجبرها على خفض الإنفاق على البنية التحتية وتقليل امتيازات الخدمة المدنية، للسيطرة على الوضع المالي.

وعلى جانبٍ آخر، تضغط الحرب المدمّرة في اليمن على السّعودية عسكريًا، وتعرّضها للإدانة الدولية الشديدة بسبب الكارثة الإنسانية التي سبّبتها الحملة العسكرية. وكذلك فإنّ القرارات الأخيرة من منظّمة أوبك قد أضرّت كثيرًا بإنتاج السّعودية النفطي، الأمر الذي يعني أنّها لم تعد قادرة على تحمّل السياسة العدوانية ضدّ إيران في اليمن دون مساعدة الشركاء.

وفي هذه الأوقات العصيبة، يمكن للاقتصادات سريعة النمو في جنوب شرق آسيا تقديم الكثير للسّعوديين.

تاريخيًا، كان الحجّ من آسيا إلى مكّة والمدينة مصدرًا رئيسيًا للإيرادات لميزانية المملكة المتقلّبة، إلّا أنّ فشل الملك «سلمان» إقليميًا والأزمات المالية تضطر المملكة للتحرّك بعيدًا عن اعتمادها التقليدي على النفط.

وقد وجد الملك «سلمان» في استقباله جمهورًا معتبرًا في العواصم الآسيوية. وتتحوّل ماليزيا بالفعل بقوة إلى الحظيرة السعودية. وفي بدايات عام 2016، انضمّت إلى التدريبات العسكرية في الأراضي السّعودية الشمالية بمشاركة نحو 150 ألف جندي و2540 طائرة حربية و20 ألف دبابة و460 طائرة مروحية. وقد أثار هذا التدريب جملةً من الشّائعات حول استعداد ماليزيا للانضمام إلى الحملة العسكرية السّعودية في اليمن.

لم يكن هذا توقّعًا غريبًا. فالعلاقات الشخصية بين رئيس الوزراء «نجيب رزاق» والعائلة المالكة السعودية قوية للغاية، وقد لعبت السّعودية دورًا في إنقاذ منصب «رزاق» بعد فضيحة مدوية. بعد أن أكّدت ادّعاء «رزاق» بأنّ مبلغ 681 مليون دولار غير مصرّح بها في حساباته المصرفية، كانت تبرعًا من العائلة المالكة السّعودية، وقد ساعدته السّعودية بذلك للإفلات من اتّهامٍ باختلاس المبلغ من صندوق الاستثمار التابع بالدولة المثقل بالديون.

الفرص الاقتصادية كثيرة. ولدى وصول الملك إلى كوالالمبور في نهايات فبراير/شباط، وقّعت الشركة الوطنية السعودية للنفط والغاز (أرامكو) اتّفاقًا بقيمة 7 مليار دولار مع شركة النفط الماليزية (بتروناس). وتضخّ هذه الصفقة استثمارات سعودية في قطاع البتروكيماويات الماليزي في مشروع بقيمة 27 مليار دولار، الأمر الذي يجعل أرامكو أكبر مستثمر في ماليزيا. ومن المتوقّع أيضًا أن تحسّن الصفقة من فرص ماليزيا في المنافسة في مجال تكرير النفط وتخزين الطاقة، وهي الصناعة التي تحتكرها سنغافورة حاليًا في جنوب شرق آسيا.

وتأمل إندونيسيا كذلك في جذب استثمارات بمليارات الدولارات من السّعودية. وقد وقّعت الدولتان أكثر من 10 مذكرات تفاهم، حول مشاريع ثقافية ودينية، وتعزيز التبادل الثقافي، والتبادل التجاري. والتزمت أرامكو السعودية مع شركة بيرتامينا الإندونيسية بتوسيع أكبر مصفاة للنفط في جاوة. وتصل القيمة الإجمالية للاتّفاقات إلى مليارات الدولارات.

ويعدّ السّعوديون من ذوي المهارات في هذا النوع من «الدبلوماسية المالية« سريعة الخطى. ومثل أعضاء الأسرة المالكة المتجوّلون الذين يعودون إلى الوطن مع الهدايا، فإنّهم يجلبون مبالغ كبيرة من المال للتنمية المالية مع وعد بفرص استثمارية بمليارات الدولارات من أجل العلاقات التي يأملون تعزيزها.

وبعيدًا عن المصالح المالية البحتة، من الجدير بالذكر أنّ هذه المشاريع الاستثمارية المشتركة تخلق نوعًا من الشراكات طويلة الأجل التي تمنح الشركاء الخارجيين حصة في أمن المملكة وتنميتها. ويمتد هذا النوع من مشاريع الرعاية المالية إلى ما هو أبعد من التجارة، ومنذ السبعينات من القرن الماضي، وجدت أموال النفط السعودي طريقها إلى المدارس الأجنبية والجمعيات الخيرية والمساجد والمنظمات غير الربحية بهدف تعزيز الأيديولوجية الدينية السّعودية التي تتعارض مع الصورة المعتدلة التقليدية من الإسلام في جنوب شرق آسيا. وعن طريق تبرعات الأوقاف السّعودية، تقدّم المملكة نفسها زعيمًا للعالم الإسلامي السنّي بأسره.

من الصّعب رفض عروض الاستثمار السّعودية المغرية لكن إندونيسيا وماليزيا تحتاجان على وجه السرعة تخفيف حدّة التوتّرات بين الطوائف الدينية المتهيجة، لكنّ السعودية تهدف لفتح المزيد من المدارس الإسلامية في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، وهو الأمر الذي لن يسهم فقط في تعليم اللغة العربية، لكنّه سيساعد أيضًا في نشر ثقافة ونفوذ الإسلام السّعودي. وقد يكون هذا ثمنًا باهظًا بالفعل.

المصدر / ذا كونفرسيشن
ترجمة / الخليج الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق